المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

تعدد جرائم المخدرات وتطبيق العقوبة الأشد في السعودية

تعدد جرائم المخدرات: متى تطبق العقوبة الأشد ومتى تتعدد العقوبات؟

الخلاصة النظامية:
إذا ارتكب الشخص عدة جرائم معاقبًا عليها بموجب النظام قبل صدور حكم نهائي في أي منها، يحاكم على الجريمة ذات العقوبة الأشد ويحكم بعقوبتها دون غيرها. ومع ذلك تتعدد الغرامات، ولا تستوعب المصادرة، كما أن تداخل عقوبات الجلد التعزيرية جوازي لا تلقائي.

قد تتضمن القضية الواحدة أكثر من فعل جرمي: حيازة، ونقل، وتسليم، وترويج، أو أفعال وقعت في أوقات مختلفة قبل أن يصدر حكم نهائي في أي منها. وقد يكون الفعل نفسه معاقبًا عليه بموجب نظام مكافحة المخدرات ونظام آخر. وهنا لا يكفي جمع العقوبات حسابيًا أو الاكتفاء بأشدها من غير الرجوع إلى القواعد التي وضعها النظام.

عالجت المواد الثانية والستون والثالثة والستون والرابعة والستون هذه المسألة من زوايا مختلفة. فالأولى وضعت قاعدة العقوبة الأشد، والثانية قررت حكمًا خاصًا بالغرامات والمصادرة، والثالثة نظمت تداخل عقوبات الجلد التعزيرية مع بقاء إثبات الإدانة في كل جريمة على حدة.

أولًا: متى تطبق قاعدة الجريمة ذات العقوبة الأشد؟

نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية والستين على أنه إذا ارتكب شخص عدة جرائم معاقبًا عليها بموجب أحكام النظام قبل صدور حكم نهائي بحقه عن أي واحدة منها، وجب محاكمته على الجريمة ذات العقوبة الأشد والحكم بعقوبتها دون غيرها.

ويظهر من النص أن القاعدة ترتبط بثلاثة عناصر: تعدد الجرائم، وخضوعها لأحكام نظام مكافحة المخدرات، ووقوعها جميعًا قبل صدور حكم نهائي عن أي واحدة منها. فإذا تخلف الشرط الزمني، فلا يصح تطبيق الفقرة آليًا دون بحث النصوص الأخرى المتعلقة بالحالة.

العبرة بالحكم النهائي:
النص لم يربط القاعدة بتاريخ الضبط أو الاتهام أو الحكم الابتدائي وحده، وإنما اشترط أن تكون الجرائم قد ارتكبت قبل صدور حكم نهائي بحق الشخص عن أي منها.

ثانيًا: ما المقصود بتعدد الجرائم؟

يقوم التعدد عندما تنسب إلى الشخص عدة جرائم مستقلة في أوصافها النظامية، سواء اجتمعت في ملف واحد أو ارتبطت بوقائع متقاربة. ولا يكفي تعدد العبارات المستخدمة في محضر الضبط؛ فقد تكون الحيازة والنقل والتسليم أوصافًا متداخلة لفعل واحد، وقد تمثل أفعالًا مستقلة بحسب الوقائع والقصد والتوقيت.

ولهذا يبدأ التحليل من فصل كل واقعة: ما الفعل المادي؟ ومتى وقع؟ وما القصد المنسوب إلى المتهم؟ وما المادة العقابية التي تنطبق عليه؟ وبعد تثبيت الأوصاف الصحيحة يمكن المقارنة بين العقوبات وتحديد الجريمة الأشد.

ثالثًا: كيف تحدد الجريمة ذات العقوبة الأشد؟

لا تحدد الجريمة الأشد من خلال اسمها الشائع، وإنما بالرجوع إلى النص العقابي المنطبق عليها. وقد تختلف العقوبة بحسب القصد، ونوع الفعل، والعود، وصفة الجاني، ومكان الجريمة، ونوع المادة محلها، والظروف المشددة التي نص عليها النظام.

فالحيازة بقصد الترويج تختلف عن الحيازة المجردة، وهذه تختلف عن الحيازة بقصد التعاطي. كما أن بعض صور الترويج أو التهريب قد تتغير عقوبتها بسبب السابقة أو توافر إحدى حالات التشديد. ولذلك لا تصح المقارنة قبل استكمال الوصف النظامي لكل جريمة.

والنتيجة التي قررتها المادة الثانية والستون هي المحاكمة على الجريمة ذات العقوبة الأشد والحكم بعقوبتها دون غيرها، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالغرامات والمصادرة والجلد الواردة في المواد التالية.

رابعًا: ماذا لو كانت الجريمة معاقبًا عليها بموجب نظام آخر؟

نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية والستين على أنه إذا كانت الجريمة معاقبًا عليها بموجب نظام مكافحة المخدرات ونظام آخر، فتطبق العقوبة الأشد.

وهذه الصورة تختلف عن ارتكاب عدة جرائم منفصلة؛ إذ يكون الفعل أو الجريمة خاضعًا للتجريم في نظام مكافحة المخدرات وفي نظام آخر. وعندئذ يوجب النص تطبيق العقوبة الأشد بدلًا من تكرار العقوبة عن الفعل ذاته دون سند.

ومعرفة العقوبة الأشد تستلزم تحديد النصين المنطبقين تحديدًا صحيحًا، ثم مقارنة العقوبات المقررة في كل منهما، لا الاكتفاء بالوصف العام للنظامين.

الحالة الحكم النظامي الشرط الأساسي
عدة جرائم بموجب نظام مكافحة المخدرات المحاكمة عن الجريمة ذات العقوبة الأشد والحكم بعقوبتها دون غيرها. ارتكاب الجرائم قبل صدور حكم نهائي في أي منها.
الجريمة معاقب عليها في نظام مكافحة المخدرات ونظام آخر تطبيق العقوبة الأشد. ثبوت انطباق النص العقابي في النظامين على الجريمة.

خامسًا: هل تعني العقوبة الأشد سقوط جميع الآثار الأخرى؟

لا. فقد جاءت المادة الثالثة والستون مباشرة بعد قاعدة العقوبة الأشد، وقررت تعدد العقوبات بالغرامة، كما قررت أن هذه العقوبات لا تجب عقوبة المصادرة. وبذلك لا يجوز فهم المادة الثانية والستين بمعزل عن هذا الاستثناء.

فالاكتفاء بالعقوبة الأشد لا يعني بالضرورة الاكتفاء بغرامة واحدة، ولا يؤدي إلى استبعاد المصادرة متى تحققت شروطها. وقد سبق أن نظم النظام مصادرة المواد والأدوات ووسائط النقل والمتحصلات والأموال المرتبطة بالجريمة وفق أحكامها الخاصة.

سادسًا: ماذا يعني تعدد الغرامات؟

عبارة المادة الثالثة والستين واضحة في أن العقوبات بالغرامة تتعدد. ولذلك لا تدخل الغرامات تلقائيًا تحت قاعدة الاكتفاء بعقوبة واحدة لمجرد تطبيق العقوبة الأشد في جانب آخر.

ويتطلب ذلك تحديد الغرامة المرتبطة بكل جريمة ثابتة، والنص الذي قررها، ثم تطبيق حكم التعدد. ولا يصح احتساب الغرامات على أوصاف مكررة لفعل واحد قبل حسم ما إذا كانت هناك جرائم متعددة فعلًا أم مجرد تعدد في التعبير عن الواقعة نفسها.

سابعًا: هل تلغي الغرامة عقوبة المصادرة؟

قررت المادة الثالثة والستون أن عقوبات الغرامة لا تجب عقوبة المصادرة. والمقصود أن تطبيق الغرامات لا يستوعب المصادرة ولا يمنع الحكم بها متى كان محلها وشروطها قائمين وفق أحكام النظام.

والسبب في ضرورة الفصل بينهما أن الغرامة عقوبة مالية، أما المصادرة فتتعلق بالأشياء أو الأموال أو المتحصلات المرتبطة بالجريمة وفق الصور التي نظمها النظام. ولذلك قد تجتمع الغرامة والمصادرة في الحكم من دون أن تكون إحداهما بديلًا عن الأخرى.

مثال مبسط:
إذا ثبتت عدة جرائم تستوجب غرامات، ووجدت أموال أو أدوات تتوافر فيها شروط المصادرة، فإن قاعدة العقوبة الأشد لا تعني إسقاط تعدد الغرامات أو ترك المصادرة.

ثامنًا: هل تتداخل عقوبات الجلد التعزيرية تلقائيًا؟

نصت المادة الرابعة والستون على جواز تداخل عقوبات الجلد التعزيرية اكتفاء بالعقوبة الأشد، ما لم ير القاضي خلاف ذلك. وهذا يعني أن التداخل سلطة جوازية للقاضي، وليس أثرًا حتميًا يقع في كل قضية تعددت فيها العقوبات.

فقد يرى القاضي الاكتفاء بالعقوبة الأشد، وقد يرى خلاف ذلك في ضوء ظروف القضية. وفي الحالتين اشترط النظام التصريح بثبوت الإدانة في كل جريمة على حدة.

وهذا الشرط مهم؛ لأن تداخل العقوبة لا يعني محو الجرائم الأخرى من الحكم. فحتى عند الاكتفاء بعقوبة الجلد الأشد، يجب أن يبين الحكم ثبوت الإدانة عن كل جريمة مستقلة.

تاسعًا: ما الفرق بين تداخل العقوبات وتداخل الأوصاف؟

تداخل العقوبات يفترض وجود أكثر من جريمة ثبتت في حق المتهم، ثم يبحث أثر ذلك على العقوبات المقررة. أما تداخل الأوصاف فيتعلق بالسؤال السابق على ذلك: هل الوقائع تمثل فعلًا عدة جرائم مستقلة، أم أن عدة أوصاف استخدمت للتعبير عن سلوك واحد؟

ولهذا لا يجوز البدء بحساب العقوبات قبل حسم عدد الجرائم. فقد تكون بعض الأفعال مراحل مترابطة لوصف واحد، وقد تكون جرائم مستقلة لاختلاف الزمن أو القصد أو محل الفعل. وهذه مسألة تستخلص من وقائع القضية والأدلة والنصوص المنطبقة.

عاشرًا: ما أهم نقاط مراجعة الحكم عند تعدد الجرائم؟

  1. تحديد كل فعل جرمي من حيث الزمان والمكان والقصد والدليل.
  2. التحقق مما إذا كانت الأفعال جرائم مستقلة أم أوصافًا متداخلة لواقعة واحدة.
  3. تحديد النص والعقوبة المقررة لكل جريمة.
  4. التحقق من وقوع الجرائم قبل صدور حكم نهائي في أي منها.
  5. بيان الأساس الذي حدد به الحكم الجريمة ذات العقوبة الأشد.
  6. مراجعة تعدد الغرامات وعدم إغفال المصادرة.
  7. التحقق من تسبيب تداخل الجلد ومن التصريح بكل إدانة على حدة.

وأي خطأ في هذه المراحل قد يؤثر في النتيجة؛ فقد تطبق عقوبة ليست هي الأشد، أو تجمع عقوبات على أوصاف لا تمثل جرائم مستقلة، أو تُغفل غرامة أو مصادرة قررها النظام، أو يقع التداخل دون بيان الإدانة عن كل جريمة.

ونخلص مما سبق إلى أن…

تعدد جرائم المخدرات لا يعالج بقاعدة حسابية واحدة. فإذا ارتكب الشخص عدة جرائم قبل صدور حكم نهائي في أي منها، وجب تطبيق الجريمة ذات العقوبة الأشد والحكم بعقوبتها دون غيرها. وإذا كانت الجريمة معاقبًا عليها بموجب النظام ونظام آخر، طبقت العقوبة الأشد.

لكن هذه القاعدة لا تلغي الأحكام الخاصة؛ فالغرامات تتعدد، ولا تستوعب المصادرة، أما تداخل عقوبات الجلد التعزيرية فجوازي للقاضي مع وجوب التصريح بثبوت الإدانة في كل جريمة على حدة. ولهذا يبدأ التطبيق الصحيح من ضبط عدد الجرائم وأوصافها قبل الانتقال إلى تحديد العقوبات.

هل تضمن الحكم عدة جرائم أو عقوبات؟

تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية مراجعة تعدد الأوصاف والجرائم، وتحديد العقوبة الأشد، وفحص الغرامات والمصادرة وتداخل العقوبات، وإعداد الاعتراض وفق أسباب الحكم ومستنداته.

هذا المقال للتوعية القانونية العامة، ولا يعد استشارة قانونية لحالة بعينها؛ إذ يتوقف تطبيق قواعد التعدد والعقوبة الأشد على أوصاف الجرائم وتواريخها والنصوص والعقوبات المنطبقة.
ضمن سلسلة نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية:
العودة إلى الدليل الشامل ومقالات السلسلة
المقال التالي: مأمورو الضبط الجنائي في قضايا المخدرات وحدود اختصاصهم.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى