المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

مأمورو الضبط الجنائي في قضايا المخدرات وحدود اختصاصهم

مأمورو الضبط الجنائي في قضايا المخدرات: من يملك الصفة وما حدود الاختصاص؟

خلاصة تمهيدية: منح نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية فئات محددة صفة الضبط الجنائي في الجرائم التي ينظمها، وحدد لها أعمالًا تتصل بالبحث وجمع الاستدلالات وضبط المواد المشتبه بها وتحريزها. غير أن هذه الصفة لا تُقرأ بمعزل عن نظام الإجراءات الجزائية، ولا تعني سلطة مفتوحة تتجاوز الاختصاص أو الضمانات الإجرائية.

تبدأ كثير من قضايا المخدرات بمحضر ضبط: بلاغ جرى فحصه، أو معلومات جُمعت، أو مادة اشتُبه في طبيعتها فضُبطت وحُرّزت. ومن هنا تبرز أسئلة عملية تتجاوز معرفة اسم الجهة التي باشرت الواقعة: هل كان القائم بالإجراء من مأموري الضبط الجنائي؟ هل تحرك داخل نطاق اختصاصه المكاني والنوعي؟ وهل أثبت ما قام به على الوجه الذي تتطلبه الإجراءات؟

الإجابة ليست تفصيلًا شكليًا؛ لأن محضر الضبط يمثل بداية المسار الذي تنتقل منه الواقعة إلى جهة التحقيق ثم إلى المحكمة. ولهذا ربطت المادتان الخامسة والستون والسادسة والستون من نظام مكافحة المخدرات بين الأحكام الخاصة بجرائم المخدرات والقواعد العامة الواردة في نظام الإجراءات الجزائية، بينما أوضحت المادة التاسعة والثلاثون من اللائحة التنفيذية نطاق الضبط داخل القطاعات والمنشآت العسكرية.

أولًا: ما المقصود بصفة الضبط الجنائي؟

صفة الضبط الجنائي تعني الاختصاص بمباشرة الأعمال الأولية اللازمة لكشف الجريمة وجمع المعلومات المتعلقة بها والمحافظة على أدلتها، كلٌّ في حدود المهام التي خولها له النظام. وهي مرحلة تسبق – في أصلها – الفصل القضائي في الاتهام، ولا تجعل مأمور الضبط جهة حكم، كما لا تمنحه تلقائيًا جميع سلطات التحقيق.

وقد أحالت المادة الخامسة والستون من نظام مكافحة المخدرات صراحة إلى المادتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من نظام الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بضبط الجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات. ودلالة هذه الإحالة أن ضبط هذه الجرائم يجري داخل الإطار الإجرائي العام لقبول البلاغات والشكاوى، وفحصها، وجمع المعلومات، والانتقال إلى مكان الحادث عند الاقتضاء، والمحافظة على الأدلة، وإثبات الإجراءات في المحاضر.

قاعدة مهمة: وجود صفة الضبط الجنائي لا يكفي وحده للحكم بصحة كل إجراء؛ بل يلزم النظر إلى الاختصاص، ونوع الإجراء، وسببه، والضوابط النظامية التي تحكم مباشرته وتوثيقه.

ثانيًا: من يملك صفة الضبط في جرائم المخدرات؟

نصت المادة السادسة والستون على أن لمديري مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف صفة الضبط الجنائي في جميع أنحاء المملكة بالنسبة إلى الجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وذلك مع مراعاة المادة السادسة والعشرين من نظام الإجراءات الجزائية.

ويكشف النص عن عنصرين متلازمين. الأول يتعلق بالأشخاص الذين منحهم النظام الصفة، وهم مديرو مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف. والثاني يتعلق بالنطاق الموضوعي، إذ تتصل الصفة بالجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات، فلا يصح فصل الاختصاص الشخصي عن نوع الجريمة محل الضبط.

الفئة النطاق المكاني النطاق الموضوعي
مديرو مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف جميع أنحاء المملكة الجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات
مديرو مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف في القطاعات العسكرية داخل القطاعات والمنشآت التابعة لها جرائم نظام مكافحة المخدرات، مع التنسيق مع الجهات المختصة

ثالثًا: ما الأعمال التي أجازتها المادة السادسة والستون؟

حددت المادة السادسة والستون الأعمال التي يباشرها رجال مكافحة المخدرات في سبيل ضبط الجرائم التي يشملها النظام. ويمكن تنظيمها في أربع دوائر مترابطة:

  1. البحث عن الجرائم: ويقصد به اتخاذ أعمال الاستدلال اللازمة لكشف الواقعة في نطاق الاختصاص النظامي.
  2. البحث عن مرتكبيها: من خلال جمع المعلومات التي تساعد على تحديد من يُنسب إليه الفعل دون أن يعني ذلك ثبوت الإدانة.
  3. جمع الاستدلالات اللازمة للتحقيق: أي إعداد المادة الأولية التي تستند إليها جهة التحقيق في تقدير الواقعة وما يلزم بشأنها.
  4. ضبط المواد المشتبه بها وتحريزها: للمحافظة عليها ومنع العبث بها تمهيدًا لفحصها وربطها بمحضر الضبط وسائر إجراءات القضية.

وورود هذه الأعمال في النص لا يعني أن عبارة «البحث عن الجرائم» تبيح بذاتها تفتيش الأشخاص أو المساكن دون مراعاة الشروط المقررة لكل إجراء. فالتفتيش والقبض وغيرهما من الإجراءات المقيدة للحرية أو الماسة بالخصوصية تحكمها نصوص وضمانات خاصة، ويتعين بحث مشروعية كل إجراء بحسب سببه وكيفية مباشرته.

رابعًا: ماذا يضيف نظام الإجراءات الجزائية إلى مرحلة الضبط؟

الإحالة الواردة في المادة الخامسة والستين تجعل المادتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من نظام الإجراءات الجزائية جزءًا من الإطار الذي تُفهم من خلاله أعمال الضبط في قضايا المخدرات. ومن أبرز ما يرتبط بذلك قبول البلاغات والشكاوى وفحصها، وجمع المعلومات في محضر موقع، وتسجيل ملخص البلاغ وتاريخه، وإبلاغ النيابة العامة فورًا.

كما تشمل الأعمال الانتقال إلى مكان الحادث للمحافظة عليه، وضبط ما يتعلق بالجريمة، وصيانة أدلتها، وإثبات ما اتُّخذ من إجراءات في محضر خاص. وأثناء جمع المعلومات يجوز سماع أقوال من لديهم معلومات عن الواقعة ومرتكبيها، وسؤال من نُسب إليه ارتكابها، والاستعانة بأهل الخبرة وطلب رأيهم كتابة.

الفارق العملي: جمع الاستدلالات يهدف إلى كشف الواقعة وتوثيق عناصرها الأولية، أما التحقيق فهو مرحلة إجرائية لها جهتها وصلاحياتها. ولذلك لا ينبغي الخلط بين إعداد محضر الضبط وبين الفصل في صحة الاتهام أو ثبوت الجريمة.

خامسًا: ضبط المادة المشتبه بها لا يعني ثبوت طبيعتها

استخدمت المادة السادسة والستون تعبير «المواد المشتبه بها»، وهو تعبير دقيق؛ لأن ما يُضبط في موقع الواقعة يظل في هذه المرحلة محل اشتباه إلى أن تُستكمل الإجراءات الفنية والنظامية اللازمة لتحديد طبيعته. ومن ثم لا يصح مساواة مجرد العثور على مادة مجهولة بثبوت أنها مادة مخدرة أو مؤثر عقلي مدرج في الجداول الملحقة بالنظام.

أما التحريز فوظيفته المحافظة على المادة المضبوطة وربطها بالواقعة ومنع استبدالها أو اختلاطها أو العبث بها. وتظهر أهميته عند مقارنة ما وُصف في محضر الضبط بما أُرسل للفحص وما ظهرت نتيجته، وعند التحقق من سلامة تسلسل التعامل مع المضبوطات.

سادسًا: ما خصوصية الضبط داخل القطاعات العسكرية؟

قررت المادة التاسعة والثلاثون من اللائحة التنفيذية لمديري مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف في القطاعات العسكرية صفة الضبط الجنائي في جرائم المخدرات داخل القطاعات والمنشآت التابعة لها. وبذلك رسمت اللائحة نطاقًا مكانيًا واضحًا لهذه الصفة داخل البيئة العسكرية.

ولم تكتف اللائحة بتقرير الصفة؛ بل أوجبت التنسيق بينهم وبين مسؤولي الضبط الجنائي والتحقيق لدى الجهات المختصة في قضايا المخدرات. ويعكس ذلك تكامل الاختصاصات عند انتقال الواقعة من الضبط داخل القطاع إلى الإجراءات التي تباشرها الجهات المختصة خارج نطاقه أو في مرحلة التحقيق.

سابعًا: كيف تُراجع مشروعية محضر الضبط؟

المراجعة المهنية لا تقف عند إنكار الواقعة أو قبول المحضر كما هو، بل تبدأ بتفكيك الإجراء إلى عناصره. ويُستحسن التحقق من النقاط الآتية:

  • صفة الشخص الذي باشر الضبط وحدود اختصاصه النوعي والمكاني.
  • مصدر البلاغ أو المعلومة وكيفية إثباتها في المحضر.
  • تسلسل الانتقال إلى الموقع ووصف المضبوطات ومكان العثور عليها.
  • كيفية التحريز والبيانات المثبتة على الحرز ومدى اتصالها بنتيجة الفحص.
  • الأقوال التي جُمعت، وصفة من أدلى بها، ومدى توافقها مع بقية عناصر الملف.
  • وجود إجراء آخر – كالقبض أو التفتيش – ومدى استيفائه لضوابطه المستقلة.

ولا يترتب على كل ملاحظة إجرائية أثر واحد بصورة آلية. فتقدير الأثر يتوقف على طبيعة القاعدة التي خولفت، ومدى اتصال المخالفة بالدليل أو بحقوق الأطراف، وما تقرره النصوص الإجرائية المختصة. لذلك يلزم تحديد المخالفة بدقة وبيان أثرها في الواقعة بدل الاكتفاء بعبارة عامة عن بطلان المحضر.

ثامنًا: هل محضر الضبط يكفي وحده للإدانة؟

محضر الضبط عنصر من عناصر ملف الدعوى، لكنه لا يحول الاشتباه إلى إدانة بمجرد تحريره. فالمحكمة تنظر في الأدلة المطروحة أمامها وتفحص اتصالها بالمتهم وسلامة الإجراءات ودلالة كل عنصر، بينما يبقى عبء إثبات الاتهام خاضعًا للقواعد النظامية المقررة.

وفي المقابل، لا تُهدر قيمة المحضر لمجرد الاعتراض عليه بعبارات مرسلة. الاعتراض المؤثر هو الذي يحدد موضع الخلل، ويربطه بواقعة ثابتة في الأوراق، ويبين أثره في سلامة الدليل أو نسبته أو في ضمانة نظامية واجبة المراعاة.

خلاصة المقال

نظم المشرع صفة الضبط الجنائي في قضايا المخدرات من خلال منظومة متكاملة، لا من خلال نص منفرد. فالمادة الخامسة والستون أحالت إلى قواعد ضبط الجرائم وجمع المعلومات الواردة في نظام الإجراءات الجزائية، والمادة السادسة والستون منحت مديري مكافحة المخدرات وضباطها وضباط الصف صفة الضبط في جميع أنحاء المملكة بالنسبة إلى جرائم النظام، وحددت لهم أعمال البحث وجمع الاستدلالات وضبط المواد المشتبه بها وتحريزها.

أما داخل القطاعات العسكرية، فقد حددت المادة التاسعة والثلاثون من اللائحة نطاق الصفة داخل القطاعات والمنشآت التابعة لها مع وجوب التنسيق مع جهات الضبط والتحقيق المختصة. والنتيجة أن تقييم سلامة الإجراء يقتضي الجمع بين صفة القائم به، ونطاق اختصاصه، وطبيعة الفعل الذي باشره، وطريقة توثيقه، وسلامة التعامل مع المضبوطات.

هذا المقال للتثقيف والتوعية القانونية العامة، ولا يُعد استشارة قانونية لحالة بعينها؛ إذ تختلف المعالجة النظامية بحسب وقائع القضية ومحاضرها ومستنداتها.
ضمن سلسلة نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية:
العودة إلى الدليل الشامل ومقالات السلسلة

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى