هل تؤثر دعوى التزوير الجنائي على الحكم في القضية الأصلية؟
الجزء الرابع: الفرق بين التزوير الجنائي والطعن بالتزوير في الدعوى المدنية والجزائية
دعوى التزوير الفرعية في النظام السعودي
عندما يقال إن مستندًا «مزور»، فقد يكون المقصود أحد مسارات قانونية مختلفة، ولكل مسار غايته وإجراءاته وآثاره.
فقد يكون الأمر متعلقًا بالمساءلة الجزائية عن جريمة التزوير أو استعمال محرر مزور، وقد يكون مجرد طعن في صحة دليل مقدم داخل دعوى جزائية، أو ادعاء بالتزوير في محرر أمام محكمة تطبق أحكام نظام الإثبات.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: هل الورقة مزورة؟ بل:
في أي دعوى أثير التزوير؟ وما الغرض من الطعن؟ وأي نظام يحكم إجراءاته؟
القاعدة الأساسية:
المساءلة عن جريمة التزوير تختلف عن الطعن في حجية المستند، والطريق الإجرائي يختلف بحسب نوع الدعوى والنظام الذي يحكمها.
أولًا: ما المقصود بالدعوى الجزائية عن جريمة التزوير؟
في هذا المسار لا يكون النزاع مجرد خلاف حول حجية ورقة في قضية قائمة، وإنما يتعلق باتهام شخص بارتكاب فعل يجرمه النظام الجزائي لجرائم التزوير.
ويكون محل البحث هنا:
- هل وقعت جريمة تزوير أصلًا؟
- ما المحرر أو الوثيقة محل التزوير؟
- من ارتكب فعل التزوير؟
- هل ثبتت نسبة الفعل إلى المتهم؟
- هل توافرت أركان المسؤولية الجزائية؟
وقد نظم النظام كذلك حالة استعمال المحرر المزور مع العلم بتزويره، وهي تختلف عن مجرد تقديم ورقة يتبين لاحقًا عدم صحتها.
ثانيًا: هل استعمال المحرر المزور جريمة مستقلة؟
نعم. فقد قررت المادة (19) من النظام الجزائي لجرائم التزوير المسؤولية عن استعمال المحرر المزور مع العلم بتزويره.
العنصر الجوهري:
لا يكفي أن يكون المحرر مزورًا وأن يكون شخص قد استعمله؛ بل يجب أن يثبت كذلك علمه بتزويره حتى تقوم المسؤولية عن استعمال المحرر المزور وفق هذا النص.
وبالتالي فلا يصح افتراض أن كل من قدم ورقة ثبت تزويرها هو بالضرورة مرتكب لجريمة التزوير أو مستعمل لها مع العلم بتزويرها؛ فالمسؤولية الجزائية تحتاج إلى إثبات أركانها في حق الشخص ذاته.
ثالثًا: ما الطعن بالتزوير داخل الدعوى الجزائية؟
هذا مسار مختلف عن اتهام شخص بارتكاب جريمة التزوير.
فنظام الإجراءات الجزائية أجاز للمدعي العام ولسائر الخصوم، في أي حال كانت عليها الدعوى، أن يطعنوا بالتزوير في أي دليل من أدلة القضية.
والهدف المباشر هنا هو التحقق من سلامة الدليل الذي تريد المحكمة أن تستند إليه، وليس الحكم ابتداءً على مقدم الدليل بعقوبة التزوير.
السؤال أمام المحكمة الجزائية:
هل يصح الاعتماد على هذا الدليل في القضية، أم يوجد وجه نظامي للتحقق من تزويره؟
رابعًا: كيف يقدم الطعن بالتزوير في الدعوى الجزائية؟
يقدم الطعن إلى المحكمة التي تنظر القضية، ويجب تحديد الدليل المطعون فيه والمستند الذي يقوم عليه ادعاء التزوير.
كما تجيز اللائحة التنفيذية تقديم الطعن:
- مشافهة أثناء الجلسة.
- أو كتابة.
وفي الحالتين يدون الطعن في ضبط الدعوى.
مهم:
الطعن بالتزوير داخل الدعوى الجزائية لا يتحول بمجرد تقديمه إلى حكم بإدانة مقدم الورقة بجريمة التزوير.
خامسًا: كيف ينظم نظام الإثبات الادعاء بالتزوير؟
في الدعاوى التي تخضع لأحكام نظام الإثبات، نظم النظام الادعاء بالتزوير بصورة مستقلة بالنسبة إلى المحررات.
وقد قررت المادة (39) أن الادعاء بالتزوير يرد على:
- المحرر الرسمي.
- المحرر العادي.
كما قررت أن عبء إثبات الادعاء بالتزوير يقع على الخصم الذي يدعي التزوير.
سادسًا: ماذا يجب على مدعي التزوير تحديده وفق نظام الإثبات؟
المادة (44) من نظام الإثبات وضعت إطارًا أكثر تفصيلًا؛ إذ أوجبت على مدعي التزوير تحديد:
- كل مواضع التزوير المدعى بها.
- شواهد التزوير.
- إجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها.
ويكون ذلك بمذكرة تقدم إلى المحكمة أو بإثبات الادعاء في محضر الجلسة.
الادعاء بالتزوير وفق نظام الإثبات لا يقوم على عبارة عامة، بل يجب تحديد مواضع التزوير وشواهده والطريق المطلوب للتحقق منه.
سابعًا: هل كل ادعاء بالتزوير يستلزم خبرة فنية؟
لا.
فنظام الإثبات اشترط أن يكون الادعاء بالتزوير منتجًا في النزاع، وأن تكون وقائع الدعوى ومستنداتها غير كافية لإقناع المحكمة بصحة المحرر أو بتزويره، وأن ترى المحكمة أن إجراء التحقيق المطلوب منتج وجائز.
وعندئذ يمكن أن يكون التحقيق:
- بالمضاهاة.
- بسماع الشهود.
- أو بكليهما.
النتيجة:
ليس كل خلاف حول محرر يستوجب تلقائيًا ندب خبير أو وقف الدعوى؛ فالمحكمة تبحث أولًا إنتاج الادعاء ومدى حاجتها إلى التحقيق.
ثامنًا: ما الفرق بين المسارات الثلاثة؟
| العنصر | جريمة التزوير | الطعن في الدعوى الجزائية | الادعاء وفق نظام الإثبات |
|---|---|---|---|
| الهدف | المساءلة عن جريمة التزوير | التحقق من صحة دليل في قضية جزائية | منازعة حجية محرر في النزاع |
| محل البحث | الجريمة ونسبتها إلى المتهم | أي دليل من أدلة القضية | المحرر الرسمي أو العادي |
| الغرض المباشر | الإدانة أو عدم الإدانة | تحديد صلاحية الدليل للاعتماد عليه | تحديد حجية المحرر وصحته |
| النظام المنظم | النظام الجزائي لجرائم التزوير | نظام الإجراءات الجزائية | نظام الإثبات |
تاسعًا: هل الطعن بالتزوير هو نفسه اتهام مقدم الورقة بالجريمة؟
لا.
فإثبات عدم صحة محرر أو ثبوت تزويره من حيث حجيته في الدعوى يختلف عن إثبات أن شخصًا معينًا هو من قام بتزويره أو استعمله مع علمه بالتزوير.
وقد تكون الورقة مزورة دون أن يثبت أن الخصم الذي قدمها هو من زورها، كما قد لا يثبت أنه كان عالمًا بتزويرها عند استعمالها.
فرق جوهري:
تزوير الورقة واقعة، ونسبة فعل التزوير إلى شخص معين واقعة أخرى، والعلم بالتزوير عند الاستعمال عنصر إضافي يجب إثباته.
عاشرًا: متى تحال الأوراق في الدعوى الجزائية للتحقيق؟
إذا رأت المحكمة الجزائية وجهًا للسير في التحقق من التزوير، فإنها تحيل الأوراق إلى الجهة المختصة نظامًا بالتحقيق في قضايا التزوير.
وتبعث الأوراق المطعون فيها إلى تلك الجهة محرزة.
أما وقف الدعوى الأصلية، فلا يكون لمجرد الطعن أو الإحالة، وإنما إذا كان الفصل فيها متوقفًا على الورقة المطعون فيها.
حادي عشر: من يفصل في دعوى التزوير الفرعية في القضية الجزائية؟
قررت اللائحة التنفيذية أن نظر دعوى التزوير الفرعية يكون من قبل المحكمة المنظورة أمامها الدعوى.
فإذا كانت تلك المحكمة غير مختصة بالنظر في قضايا التزوير، فإنها تحيل دعوى التزوير الفرعية إلى المحكمة المختصة.
لا تخلط بين جهتين:
الجهة التي تتولى التحقيق في التزوير عند الإحالة، والمحكمة التي تتولى الفصل القضائي في دعوى التزوير الفرعية.
ثاني عشر: هل نتيجة الطعن بالتزوير تعني المسؤولية الجزائية؟
ليس بالضرورة.
قد تثبت عدم صحة ورقة أو تزويرها من حيث أثرها في الإثبات، بينما تحتاج مساءلة شخص معين عن جريمة التزوير إلى بحث مستقل في من قام بالفعل، وكيف وقع، وهل توافرت أركان الجريمة في حقه.
كذلك فإن النيابة العامة تتولى التحقيق والادعاء، أما الإدانة أو عدم الإدانة فهي من اختصاص المحكمة المختصة.
ثالث عشر: أكثر الأخطاء شيوعًا في قضايا التزوير
- اعتبار كل طعن بالتزوير بلاغًا جنائيًا ضد مقدم الورقة.
- اعتبار مجرد تقديم ورقة ثبت تزويرها دليلًا كافيًا على علم مقدمها بالتزوير.
- افتراض أن كل طعن بالتزوير يوقف الدعوى الأصلية.
- الخلط بين إجراءات نظام الإثبات وإجراءات نظام الإجراءات الجزائية.
- عدم التمييز بين تزوير المحرر وبين إنكار الخط أو الإمضاء أو الختم في المحررات العادية.
قبل اختيار طريق الطعن:
حدد أولًا نوع الدعوى، ونوع الدليل، والهدف من الاعتراض؛ فهذه العناصر هي التي تحدد النظام والإجراء الواجب اتباعه.
الخلاصة القانونية
| المسار | الغرض منه |
|---|---|
| الدعوى الجزائية عن جريمة التزوير | مساءلة من ارتكب جريمة التزوير أو استعمل المحرر المزور وفق شروط المسؤولية الجزائية. |
| الطعن بالتزوير في الدعوى الجزائية | التحقق من صحة دليل مطروح أمام المحكمة ومدى إمكان الاعتماد عليه. |
| الادعاء بالتزوير وفق نظام الإثبات | منازعة حجية محرر رسمي أو عادي والتحقق من صحته وفق إجراءات الإثبات. |
وخلاصة الأمر:
ليس هناك طريق واحد يسمى «دعوى التزوير» يصلح لجميع القضايا؛ بل يجب أولًا معرفة ما إذا كان المطلوب مساءلة شخص عن جريمة، أو الطعن في دليل داخل قضية جزائية، أو منازعة حجية محرر وفق نظام الإثبات.
أُعد هذا المقال لأغراض التثقيف وزيادة الوعي القانوني العام، ولا يعد استشارة قانونية في قضية بعينها؛ إذ يتحدد الطريق الصحيح للطعن بحسب نوع الدعوى وطبيعة المحرر أو الدليل والمرحلة التي أثير فيها التزوير.



