المكتبة القانونيةنظام الإجراءات الجزائية

الدفع بالتزوير في النظام القضائي السعودي

الجزء الخامس والأخير: الدفع بالتزوير أمام المحكمة – ضوابطه، صياغته، وإجراءات المحكمة تجاهه

دعوى التزوير الفرعية في النظام السعودي

الجزء الخامس والأخير: الطعن بالتزوير أمام المحكمة – ضوابطه وصياغته وإجراءات الفصل فيه

الطعن بالتزوير ليس مجرد قول يطلقه الخصم على مستند لا يوافقه، وإنما طريق إجرائي منظم يستهدف التحقق من صحة دليل أو محرر مؤثر في الدعوى.

ولهذا لا يكفي أن يقول الخصم: «هذا المستند مزور»، بل يجب أن يحدد محل الطعن وأساسه، وأن يكون الدليل المطعون فيه مؤثرًا في النزاع حتى يكون للتحقق من التزوير أثر عملي في الفصل في الدعوى.

وتختلف التفاصيل الإجرائية بحسب ما إذا كان الطعن أثير في دعوى جزائية أو كان ادعاءً بالتزوير على محرر يخضع لأحكام نظام الإثبات.

وللشروط العامة للطعن، راجع متى تقبل دعوى التزوير الفرعية؟.


قاعدة أساسية:

قوة الطعن بالتزوير لا تقوم على مجرد الاتهام، وإنما على تحديد الدليل وموضع التزوير وأساسه وأثره في الدعوى.

أولًا: كيف يقدم الطعن بالتزوير في الدعوى الجزائية؟

أجاز نظام الإجراءات الجزائية للمدعي العام ولسائر الخصوم الطعن بالتزوير في أي حال كانت عليها الدعوى وفي أي دليل من أدلة القضية.

ويقدم الطعن إلى المحكمة التي تنظر الدعوى، مع:

  • تعيين الدليل المطعون فيه.
  • بيان المستند الذي يقوم عليه ادعاء التزوير.

كما تجيز اللائحة التنفيذية تقديم الطعن مشافهة أثناء الجلسة أو كتابة، وفي الحالتين يدون في ضبط الدعوى.


نتيجة مهمة:

ليس صحيحًا أن الطعن بالتزوير لا يقبل إلا في مرحلة محددة قبل قفل باب المرافعة؛ فالنظام الجزائي أجازه في أي حال كانت عليها الدعوى.

ثانيًا: ماذا يجب أن يتضمن الطعن عمليًا؟

كلما كان الطعن أكثر تحديدًا، كان أوضح أمام المحكمة.

ومن الأفضل أن يبين الطاعن:

  1. الدليل أو المحرر المطعون فيه تحديدًا.
  2. موضع التزوير المدعى به؛ كتوقيع أو ختم أو إضافة أو تعديل.
  3. السبب الذي يستند إليه في ادعاء التزوير.
  4. أثر الدليل في القضية وسبب أهمية التحقق منه.
  5. الطلب المحدد من المحكمة بشأن الدليل المطعون فيه.

المحرر ← موضع التزوير ← أساس الطعن ← أثره في القضية ← الطلب

ثالثًا: ماذا يطلب نظام الإثبات من مدعي التزوير؟

في الدعاوى الخاضعة لأحكام نظام الإثبات، وضعت المادة (44) تنظيمًا أكثر تفصيلًا للادعاء بالتزوير.

إذ يجب على مدعي التزوير تحديد:

  • كل مواضع التزوير المدعى بها.
  • شواهد التزوير.
  • إجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها.

ويكون ذلك بمذكرة تقدم إلى المحكمة أو بإثبات الادعاء في محضر الجلسة.


في نظام الإثبات:

الادعاء العام بأن «المحرر مزور» لا يكفي؛ بل يجب تحديد مواضع التزوير وشواهده والطريق المطلوب للتحقق منه.

رابعًا: هل يكفي الادعاء بالتزوير لإحالة المحرر للتحقيق؟

لا.

ففي الدعاوى الخاضعة لنظام الإثبات، تنظر المحكمة أولًا في مدى إنتاج الادعاء بالتزوير في النزاع، وفي مدى كفاية وقائع الدعوى ومستنداتها لتكوين قناعتها بصحة المحرر أو تزويره.

فإذا كان الادعاء منتجًا، ورأت المحكمة أن إجراء التحقيق المطلوب منتج وجائز، أمرت به.

وقد يكون التحقيق:

  • بالمضاهاة.
  • بسماع الشهود.
  • أو بكليهما.

القاعدة العملية:

الطعن بالتزوير لا يعني تلقائيًا إحالة كل محرر إلى خبير؛ فالمحكمة تبحث أولًا أثر المحرر وجدوى التحقيق فيه.

خامسًا: ماذا تفعل المحكمة الجزائية إذا رأت وجهًا للتحقق من التزوير؟

إذا رأت المحكمة وجهًا للسير في التحقق من التزوير، فإن الأوراق المطعون فيها تحال إلى الجهة المختصة نظامًا بالتحقيق في قضايا التزوير.

كما تقضي اللائحة بأن تبعث الأوراق المطعون فيها محرزة إلى تلك الجهة.


الأدق في الصياغة:

لا نقول دائمًا: «تحيل المحكمة الورقة إلى النيابة العامة»، وإنما: «تحيل الأوراق إلى الجهة المختصة نظامًا بالتحقيق في قضايا التزوير».

سادسًا: هل يوقف الطعن بالتزوير الدعوى الأصلية؟

ليس دائمًا.

وقف الدعوى لا يترتب على مجرد تقديم الطعن، ولا على مجرد إحالة الورقة إلى جهة التحقيق.

وإنما يكون الوقف إذا كان الفصل في الدعوى الأصلية متوقفًا على الورقة المطعون فيها.


السؤال الذي يحدد الوقف:

هل تستطيع المحكمة الفصل في القضية دون حسم صحة الورقة المطعون فيها؟

فإذا كانت الإجابة نعم، فقد تستمر الدعوى. أما إذا كان الحكم يتوقف على صحة تلك الورقة، كان للوقف مقتضاه النظامي.

سابعًا: متى لا يكون للتحقيق في التزوير أثر على الدعوى؟

إذا كان الدليل المطعون فيه غير مؤثر في النتيجة، أو كانت هناك أدلة أخرى مستقلة تكفي للفصل في القضية، فقد لا يكون لنتيجة التزوير أثر يؤدي إلى وقف الدعوى.

وهذا يمنع استعمال الطعن بالتزوير كوسيلة لتعطيل الدعوى في شأن محرر لا يتوقف عليه الحكم.

ثامنًا: نموذج عملي لصياغة الطعن بالتزوير


نموذج مختصر:
يطعن المدعى عليه بالتزوير في المحرر المؤرخ في ../../….هـ والمقدم من المدعي ضمن مستنداته، وتحديدًا في التوقيع المنسوب إلى موكلنا في ذيل المحرر؛ إذ يتمسك بعدم صدور هذا التوقيع عنه، ويستند في طعنه إلى اختلافه عن توقيعاته الثابتة في المستندات المشار إليها. ولما كان المحرر محل الطعن من الأدلة التي يستند إليها الخصم في إثبات دعواه، فإننا نطلب إثبات الطعن في ضبط الدعوى واتخاذ الإجراءات النظامية للتحقق من صحة المحرر وما يترتب على ذلك نظامًا.

وهذه الصياغة أكثر دقة من مجرد القول:
«نطعن بالتزوير ونطلب إحالة المستند»؛ لأنها تحدد محل الطعن وأساسه وأثره والطلب.

تاسعًا: ماذا لو كان التزوير المدعى به في إضافة أو تعديل؟

ليس كل ادعاء بالتزوير متعلقًا بالتوقيع؛ فقد يكون محل الطعن إضافة لاحقة أو تعديلًا في البيانات أو تغييرًا في جزء من المحرر.


صياغة مقترحة:
يطعن المدعي بالتزوير في البيان المضاف إلى المحرر محل الاستناد، وتحديدًا العبارة الواردة في (…)، ويتمسك بأن هذه العبارة أضيفت إلى المحرر بعد صدوره ولم تكن ضمن محتواه الأصلي، ويستند في ذلك إلى (…). ولما كان هذا البيان مؤثرًا في تحديد الالتزام محل النزاع، فإننا نطلب اتخاذ الإجراءات النظامية للتحقق من صحة المحرر.

والأفضل أن ينصب الطعن على الموضع المحدد المدعى بتزويره إذا لم يكن الادعاء متعلقًا بالمحرر كاملًا.

عاشرًا: ما الفرق بين الطعن بالتزوير وإنكار التوقيع؟

هذه من أهم المسائل العملية.

ليس كل إنكار للخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة ادعاءً بالتزوير.

فنظام الإثبات فرق بين:

  • إنكار صدور المحرر العادي أو التوقيع أو الختم.
  • الادعاء بتزوير المحرر.

كما يختلف عبء الإثبات في الحالتين؛ فعند الادعاء بالتزوير يقع عبء إثبات التزوير على من يدعيه، بينما في بعض صور إنكار صدور المحرر العادي ينتقل عبء إثبات صدوره إلى من يتمسك به.


اختيار الوصف الصحيح للدفع قد يغير عبء الإثبات وطريقة التحقيق بالكامل.

حادي عشر: ما الأخطاء التي تضعف الطعن بالتزوير؟

  • إطلاق الادعاء على المستند كاملًا دون تحديد موضع التزوير.
  • الخلط بين إنكار التوقيع والادعاء بالتزوير.
  • عدم بيان أثر المستند في القضية.
  • طلب وقف الدعوى باعتباره نتيجة تلقائية للطعن.
  • اتهام الخصم شخصيًا بارتكاب جريمة التزوير دون دليل يربطه بالفعل.
  • طلب الإحالة إلى خبير دون تحديد ما المطلوب فحصه.
  • الخلط بين إجراءات الدعوى الجزائية وإجراءات نظام الإثبات.

قبل تقديم الطعن:

حدد النظام الذي يحكم الدعوى، ونوع الدليل، وموضع التزوير، ثم صغ الطلب بما يناسب المسار الإجرائي الصحيح.

الخلاصة القانونية

المسألة الضابط الصحيح
متى يجوز الطعن في الدعوى الجزائية؟ في أي حال كانت عليها الدعوى.
هل يجوز تقديمه شفهيًا؟ نعم، ويُدون في ضبط الدعوى.
هل يكفي القول إن المستند مزور؟ لا، يجب تحديد الدليل وأساس الطعن.
هل يوقف الطعن الدعوى تلقائيًا؟ لا.
متى توقف الدعوى؟ إذا كان الفصل فيها متوقفًا على الورقة المطعون فيها.
هل إنكار التوقيع هو نفسه التزوير؟ لا، ولكل منهما أحكام وعبء إثبات مختلف.
هل ثبوت تزوير الورقة يعني أن مقدمها هو المزور؟ لا، نسبة الجريمة إلى الشخص تحتاج إلى إثبات مستقل.

الخلاصة الأهم:

قوة الطعن بالتزوير لا تأتي من حدة الاتهام، وإنما من دقة تحديد المحرر وموضع التزوير وأساس الادعاء وأثر الدليل في القضية والطلب النظامي الموجه إلى المحكمة.
تنبيه:
أُعد هذا المقال لأغراض التثقيف وزيادة الوعي القانوني العام، ولا يعد استشارة قانونية في قضية بعينها؛ إذ يتحدد الطريق الصحيح بحسب نوع الدعوى وطبيعة المحرر أو الدليل والمرحلة التي أثير فيها الطعن.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى