أموال المدين ليست في حسابه.. هل يستطيع التنفيذ الوصول إليها؟
أموال المدين ليست في حسابه.. هل يستطيع التنفيذ الوصول إليها؟
قد يصدر الدائن بسند تنفيذي صحيح، ثم تبدأ إجراءات التنفيذ، لكنه يفاجأ بأن الحساب البنكي للمدين لا يكفي للوفاء بالدين، أو لا يظهر فيه رصيد يوازي المبلغ المطلوب.
هنا يقع خطأ شائع: الاعتقاد بأن عدم وجود رصيد ظاهر في الحساب يعني عدم وجود مال يمكن التنفيذ عليه.
نظام التنفيذ لا ينظر إلى المال بهذه الصورة الضيقة.
فمال المدين قد يكون في حساب جارٍ، أو وديعة، أو محفظة استثمارية، أو أسهم، أو تعويض تأميني لم يُصرف بعد، أو ورقة تجارية، وقد يكون – وهذا هو الأهم – حقًا ماليًا للمدين موجودًا لدى شخص آخر.
ومن هنا تأتي فكرة حجز ما للمدين لدى الغير.
ليس المهم أين يوجد المال.. بل لمن يعود
هذه هي الفكرة التي يقوم عليها الحجز لدى الغير.
فإذا كان المال مملوكًا للمدين أو مستحقًا له، فإن وجوده تحت يد جهة أخرى لا يمنع – من حيث الأصل – من وصول إجراءات التنفيذ إليه بالطريق الذي رسمه النظام.
ولهذا جاءت المادة الستون من نظام التنفيذ بتنظيم تفصيلي للأموال المستحقة للمدين تحت يد المنشآت المالية، ولم تعامل جميع الأموال معاملة واحدة؛ لأن طبيعة الحساب الجاري تختلف عن الوديعة، والوديعة تختلف عن المحفظة الاستثمارية، وهذه جميعًا تختلف عن موجودات خزينة الأمانات.
الحساب الجاري: الحجز لا يقف عند الرصيد الموجود لحظة صدور الأمر
إذا كان للمدين حساب جارٍ دائن، يكون الحجز بمنعه من السحب من رصيده الدائن وما يضاف إليه من إيداعات لاحقة، مع مراعاة الالتزامات المدينة الناشئة على الحساب قبل الحجز وفق الضوابط النظامية.
وهذه الجزئية لها أثر عملي كبير.
فكون الحساب لا يحتوي وقت الحجز إلا على مبلغ قليل لا يعني بالضرورة انتهاء أثر الحجز عند هذا المبلغ؛ لأن النص تناول كذلك ما يضاف إلى الرصيد من إيداعات لاحقة.
وبالتالي فالسؤال الصحيح ليس فقط:
كم كان في حساب المدين وقت الحجز؟
وإنما أيضًا:
ما الأموال التي تدخل في نطاق الحجز بعد إيقاعه؟
أما الوديعة.. فالحجز عليها لا يعني بالضرورة كسرها
قد تكون أموال المدين مودعة لأجل، وهنا راعى النظام طبيعة هذا المال.
فيكون الحجز على الوديعة بعدم تمكين المدين من سحبها، مع استمرار تنميتها على الوجه الشرعي إذا رغب في ذلك، وإشعار قاضي التنفيذ بطبيعتها وتاريخ استحقاقها وما يترتب على كسرها.
وهذه معالجة مختلفة عن الحساب الجاري؛ لأن النظام لا يتعامل مع الأموال بطريقة واحدة، وإنما ينظر إلى طبيعة الحق المالي محل الحجز.
وقد يكون المال موجودًا.. لكنه ليس نقودًا أصلًا
تصور أن المدين لا يملك رصيدًا نقديًا ظاهرًا، ولكنه يملك حصصًا في شركة أو أسهمًا أو أوراقًا مالية.
هل يتوقف التنفيذ؟
لا.
فالمادة الحادية والستون تناولت الحصص المملوكة في الشركات والأسهم غير المدرجة، وجعلت الحجز عليها عن طريق الجهة المختصة بتسجيل الملكية، بالتأشير على سجل الملكية بمحتوى السند التنفيذي.
كما تناول النظام الأوراق المالية والأوراق التجارية، ورتب لكل منها إجراءات تتفق مع طبيعتها.
إذن ضعف السيولة لا يساوي بالضرورة انعدام الأموال القابلة للتنفيذ.
وهذه نقطة مهمة عند تقييم المركز المالي الحقيقي للمدين.
الشيك الموجود في يد المدين قد يكون هو نفسه محل الحجز
الأمر يصبح أكثر وضوحًا في المادة الثانية والستين.
فإذا كان الشيك تحت يد المدين المستفيد منه، يمكن حجزه وتحصيل القيمة المتوافرة منه وإيداعها في حساب المحكمة.
والأمر يمتد كذلك – وفق الحالات التي نظمها النص – إلى الشيك المظهر والسند لأمر والكمبيالة المستحقة الدفع.
وهنا نخرج من الصورة التقليدية للحجز على «مال موجود» إلى الحجز على أداة تمثل حقًا ماليًا يمكن تحصيله.
الصورة الأهم: شخص آخر مدين لمدينك
لنفترض أن لك على شخص مبلغًا تنفيذيًا، وهذا الشخص نفسه له مبلغ مستحق لدى شخص أو منشأة أخرى.
المال هنا لم يصل إلى يد مدينك بعد.
لكن هذا لا يعني أنه خارج نطاق التنفيذ.
فهذه هي الصورة الجوهرية لحجز ما للمدين لدى الغير: الانتقال إلى الحق المالي الموجود لدى الطرف الثالث ومنع وصوله إلى المدين على نحو يفوت حق طالب التنفيذ.
ومن لحظة الحجز لا يبقى «المحجوز لديه» شخصًا أجنبيًا تمامًا عن الإجراء، بل تترتب عليه آثار الحجز التي قررها النظام.
وماذا لو سلّم الغير المال للمدين رغم الحجز؟
هنا تظهر قوة الأثر النظامي للحجز.
فالمادة السابعة والستون عالجت حالة تصرف المحجوز لديه في المال المحجوز بخلاف أمر قاضي التنفيذ، ورتبت – بناءً على طلب الحاجز – التنفيذ على مال المحجوز لديه بمقدار المال.
أي أن مخالفة الحجز ليست مسألة شكلية يمكن تجاوزها بتسليم المال للمدين ثم القول إن المال لم يعد موجودًا.
الحجز يتبع المال، لكنه يرتب كذلك مسؤولية إجرائية على من أصبح المال تحت يده.
حتى تعدد فروع الجهة لا يجعل الحجز بلا أثر
وقد أغلق النظام بابًا عمليًا آخر في المادة السادسة والستين.
فإذا كان للمحجوز لديه أكثر من فرع، فإن إبلاغ الحجز لأي فرع يعد منتجًا لآثاره في مواجهة المحجوز لديه.
والأهمية هنا واضحة: لا ينبغي أن تتحول البنية الإدارية للجهة أو تعدد فروعها إلى وسيلة لإفراغ الحجز من مضمونه.
ماذا يستفيد الدائن من كل ذلك؟
قبل أن يخلص الدائن إلى أن المدين «لا يملك شيئًا»، ينبغي أن تكون الصورة المالية أوسع من مجرد السؤال عن رصيد حسابه البنكي.
قد تكون أموال المدين موزعة بين:
رصيد مصرفي، وديعة، استثمار، أسهم أو حصص، تعويض تأميني، أوراق تجارية، أو حقوق مالية مستحقة لدى الغير.
ولهذا فإن نجاح التنفيذ لا يرتبط فقط بوجود مال نقدي ظاهر، وإنما يرتبط أيضًا بتحديد طبيعة أموال المدين وحقوقه، وأين توجد، وتحت يد من توجد، والطريق النظامي المناسب لحجز كل منها.
نخلص مما سبق الي ان :
المدين الذي لا يوجد في حسابه رصيد كافٍ ليس بالضرورة مدينًا بلا أموال.
هذه هي الفكرة العملية التي تكشفها المواد المنظمة لحجز ما للمدين لدى الغير.
فالنظام لم يحصر التنفيذ في النقد الموجود تحت يد المدين، وإنما امتد إلى صور متعددة من حقوقه المالية، ووضع لكل منها آلية حجز تتفق مع طبيعتها.
ولذلك، عند تعثر التنفيذ بسبب عدم كفاية الرصيد، قد لا يكون السؤال: هل لدى المدين مال؟
بل السؤال الأدق:
أين توجد أموال المدين وحقوقه المالية، ومن يضع يده عليها؟
وهنا تحديدًا تبدأ أهمية حجز ما للمدين لدى الغير.




