الأنظمة والتشريعاتالتنفيذالمكتبة القانونية

الحبس التنفيذي في السعودية ومتى يُحبس المدين ومتى لا يجوز حبسه؟

نظام التنفيذ السعودي

الحبس التنفيذي في السعودية: متى يُحبس المدين ومتى لا يجوز حبسه؟

وجود دين ثابت وصدور أمر بالتنفيذ لا يؤديان تلقائيًا إلى حبس المدين؛ فالحبس التنفيذي تحكمه شروط ومدد وموانع محددة في النظام ولائحته التنفيذية.

الجواب المختصر

يصدر قاضي التنفيذ حكمًا بحبس المدين إذا ثبت امتناعه عن التنفيذ وفق المادة (83). لكن اللائحة ربطت إصدار الحكم بإجراءات ومدد محددة: ثلاثة أشهر إذا بلغ الدين أو مجموع الديون مليون ريال فأكثر، وستة أشهر في غير ذلك، مع مراعاة أحكام الإعسار ووجود طلب من طالب التنفيذ. كما حددت المادة (84) حالات لا يجوز فيها الحبس أصلًا.

من أكثر المسائل التي يحدث فيها خلط عند الحديث عن قضايا التنفيذ الاعتقاد بأن كل مدين لم يسدد يُحبس مباشرة. وهذا غير صحيح؛ لأن الحبس التنفيذي ليس عقوبة تلقائية على وجود الدين، وإنما إجراء يرتبط بثبوت امتناع المدين عن التنفيذ، وبعد استيفاء الشروط والمدد التي قررها نظام التنفيذ ولائحته.

وفي المقابل، حدد النظام حالات يمتنع فيها الحبس حتى مع بقاء الدين، مع استمرار حق الدائن في التنفيذ على أموال المدين متى وجدت.

أولًا: ما المقصود بالحبس التنفيذي؟

الحبس التنفيذي هو إجراء يصدر به حكم من قاضي التنفيذ إذا ثبت له امتناع المدين عن التنفيذ وفق أحكام النظام. وقد قررت المادة (83) أن الحبس يستمر حتى يتم التنفيذ، بينما نظمت اللائحة مدة كل حكم بالحبس وكيفية تمديده.

ولا يُعد هذا الحبس عقوبة جزائية على جريمة؛ بل وسيلة تنفيذية لحمل المدين الممتنع على تنفيذ الحق الثابت في السند التنفيذي. ولهذا ألزم النظام إدارة السجن بتهيئة ما يمكن المحبوس من الوفاء بديونه أو تسويتها.

القاعدة الأساسية:

ثبوت الدين لا يساوي ثبوت الامتناع، وصدور أمر التنفيذ لا يعني أن الحبس يقع فورًا؛ بل يجب النظر إلى الإجراءات السابقة، والمدة المنقضية، ومقدار الدين، وحالة المدين، وموانع الحبس.

ثانيًا: متى يصل ملف التنفيذ إلى الحبس؟

تبدأ المسألة بثبوت امتناع المدين عن التنفيذ. ثم تشترط اللائحة صدور الأوامر المنصوص عليها في الفقرات الخمس الأولى من المادة (46)، ومضي المدة المقررة دون وفاء أو دون العثور على أموال تكفي للوفاء، مع مراعاة أحكام دعوى الإعسار.

كما أن الحكم بالحبس في الحالتين اللتين نظمتهما اللائحة لا يصدر من تلقاء نفسه؛ بل يكون بناءً على طلب طالب التنفيذ.

الحالة المدة سلطة الدائرة
الدين أو مجموع الديون مليون ريال فأكثر بعد مضي ثلاثة أشهر يجب إصدار حكم الحبس عند تحقق الشروط وطلب طالب التنفيذ.
غير حالة المليون ريال بعد مضي ستة أشهر يجوز إصدار حكم الحبس عند تحقق الشروط وطلب طالب التنفيذ.

اقرأ أيضًا:
المادة 46 من نظام التنفيذ وإجراءات عدم تنفيذ السند

ثالثًا: ما الحكم إذا بلغ الدين مليون ريال فأكثر؟

إذا كان مقدار الدين أو مجموع الديون مليون ريال فأكثر، وصدرت أوامر الفقرات الخمس الأولى من المادة (46)، ثم مضت ثلاثة أشهر دون وفاء أو دون العثور على أموال تكفي للوفاء؛ فيجب إصدار حكم بحبس المدين بناءً على طلب طالب التنفيذ، مع مراعاة أحكام دعوى الإعسار.

كما قررت اللائحة أنه لا يجوز الإفراج عنه في هذه الحالة إلا:

  • بموافقة طالب التنفيذ.
  • أو بموجب حكم خاضع للاستئناف.

وهذا الحكم الخاص يبين أن مقدار المديونية يؤثر في توقيت الحبس وفي ضوابط الإفراج، لكنه لا يلغي ضرورة استيفاء بقية الشروط النظامية.

رابعًا: ماذا عن الديون الأخرى بعد ستة أشهر؟

في غير حالة المليون ريال فأكثر، قررت اللائحة أنه إذا صدرت أوامر الفقرات الخمس الأولى من المادة (46)، ومضت ستة أشهر دون وفاء أو دون العثور على أموال تكفي للوفاء؛ فيجوز للدائرة إصدار حكم الحبس بناءً على طلب طالب التنفيذ، مع مراعاة أحكام الإعسار.

ويجب استجواب المدين خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ حبسه. وللدائرة الإفراج عنه في أي وقت بعد استجوابه إذا ظهرت دلائل على جديته في تسوية وضعه المالي.

ومن ثم، فالحبس هنا سلطة تقديرية للدائرة وليس نتيجة آلية لمجرد انقضاء ستة أشهر.

خامسًا: ما مدة الحبس التنفيذي؟

حددت اللائحة مدة الحبس التنفيذي الوارد في المادة (83) بـثلاثة أشهر. فإذا انتهت المدة ورأت الدائرة -بعد استجواب المدين- استمرار حبسه، حكمت بتمديده لمدة أو مدد متعاقبة، على ألا تزيد كل مدة منها على ثلاثة أشهر.

وبذلك لا يصح عرض الحبس التنفيذي باعتباره مدة مفتوحة تصدر دون مراجعة؛ فاللائحة جعلت كل مدة في حدود ثلاثة أشهر، وربطت التمديد بحكم من الدائرة بعد الاستجواب.

كما نصت اللائحة على أن الحكم الصادر وفق المادة (83) يُعد نهائيًا.

سادسًا: متى لا يجوز الحبس التنفيذي؟

حددت المادة (84) واللائحة حالات يمتنع فيها الحبس التنفيذي، ويمكن بيانها على النحو الآتي:

مانع الحبس بيانه
وجود مال ظاهر أن تكون لدى المدين أموال ظاهرة تكفي للوفاء ويمكن الحجز والتنفيذ عليها.
تقديم ضمان كافٍ تقديم كفالة مصرفية، أو كفيل مليء، أو كفالة عينية تعادل الدين.
ثبوت الإعسار أن يثبت إعسار المدين وفق أحكام نظام التنفيذ.
كون المدين من أصول الدائن لا يجوز حبس أصل الدائن، إلا إذا كان الدين نفقة شرعية مقررة.
المرض الذي لا يتحمل معه الحبس يشترط ثبوته بشهادة الهيئة الطبية المختصة.
الحمل أو وجود طفل دون السنتين إذا كانت المدينة امرأة حاملًا، أو كان لها طفل لم يتجاوز الثانية من عمره.
بلوغ الستين إذا كان عمر المدين ستين عامًا فأكثر.
الأولاد القاصرون إذا كان للمدين أولاد قاصرون وكان زوجه متوفى أو محبوسًا لأي سبب.

موضوع مرتبط:
إعسار المدين في نظام التنفيذ السعودي: متى يثبت وما أثره؟

هل وجود مال ظاهر يمنع الحبس؟

نعم، إذا كانت الأموال الظاهرة كافية للوفاء ويمكن الحجز والتنفيذ عليها. فالطريق في هذه الحالة هو التنفيذ على المال، وليس حبس المدين.

اقرأ عن الحجز على أموال المدين والأموال المستثناة منه.

هل يكفي تقديم اسم كفيل لمنع الحبس؟

العبرة ليست بمجرد تسمية كفيل، وإنما بملاءته وكفاية الضمان. وتُعرف ملاءة الكفيل بإفصاحه عن أموال تكفي لسداد الدين.

وإذا قدم الكفيل الغارم كفالة مصرفية أو رهنًا عينيًا، حُجز عليهما. أما إذا لم يقدم شيئًا من ذلك، فيمهل مدة لا تتجاوز عشرة أيام عمل لإيداع قيمة السند التنفيذي في حساب المحكمة؛ وإلا وقع الحبس على المدين والكفيل، وحُجز على مال الكفيل ونُفذ عليه.

هل المرض يمنع الحبس بمجرد الادعاء به؟

لا. يشترط أن يثبت بشهادة الهيئة الطبية المختصة أن المرض من النوع الذي لا يتحمل المدين معه الحبس.

سابعًا: هل الحبس يسقط الدين؟

لا. نصت المادة (85) صراحة على أن تنفيذ الحبس لا يؤدي إلى انقضاء الحق. فالحبس لا يحل محل الدين، ولا يؤدي تنفيذه أو انتهاء مدته إلى سقوط المبلغ المطالب به.

ويبقى الحق قائمًا إلى أن يتم الوفاء به، أو تسويته، أو ينقضي بسبب نظامي معتبر. كما يستمر التنفيذ على أموال المدين متى ظهرت وكان يجوز الحجز عليها.

ثامنًا: أين ينفذ الحبس التنفيذي؟

تقرر المادة (85) أن الحبس التنفيذي ينفذ بمعزل عن المسجونين في القضايا الجزائية. وهذا يؤكد اختلاف طبيعته عن السجن المترتب على الإدانة بجريمة.

كما تهيئ إدارة السجن للمحبوس ما يمكنه من الوفاء بديونه أو تسويتها، اتساقًا مع الغاية التنفيذية للحبس.

تاسعًا: هل يطبق الحبس على ممثل الشركة؟

تنص المادة (86) على سريان أحكام الحبس التنفيذي على الممثل النظامي للشخص المعنوي الخاص، أو من تسبب من منسوبيه في إعاقة التنفيذ.

لكن اللائحة قيدت تطبيق هذه المادة بحالة محددة، وهي أن يكون محل التنفيذ فعلًا أو امتناعًا عن فعل. ولذلك لا يصح تعميم الحبس على ممثل الشركة في كل دين مالي لمجرد أن السند صادر على الشخص المعنوي.

عاشرًا: الفرق بين الحبس التنفيذي وغيره

النوع سببه طبيعته
الحبس التنفيذي ثبوت امتناع المدين عن التنفيذ مع تحقق الضوابط. إجراء لتنفيذ الحق، ولا يسقط الدين.
حبس مدعي الإعسار يرتبط باستظهار حال من ادعى الإعسار وفق أحكامه الخاصة. إجراء تنظمه مواد الإعسار، وله شروط مستقلة.
السجن الجزائي ارتكاب جريمة من الجرائم المعاقب عليها. عقوبة جزائية تصدر عن المحكمة الجزائية.

ماذا ينبغي أن يفحصه الدائن والمدين؟

بالنسبة للدائن، وجود سند تنفيذي لا يعني أن الحبس هو الإجراء المناسب في كل حالة. ينبغي التحقق من تاريخ صدور أوامر المادة (46)، والمدة المنقضية، ومقدار الدين، وظهور أموال قابلة للتنفيذ، وما إذا كان المدين داخل إحدى حالات منع الحبس.

أما المدين، فعليه إدراك أن وجود مانع من الحبس لا يسقط الدين ولا يمنع التنفيذ على أمواله. وإذا كان يتمسك بالإعسار أو بوجود مانع صحي أو بضمان كافٍ، فيلزم إثبات ذلك بالطريق المقرر.

الفارق الذي ينبغي ألا يغيب:

منع الحبس شيء، ومنع التنفيذ شيء آخر. فقد لا يجوز حبس المدين، ومع ذلك يبقى للدائن حق التنفيذ على الأموال التي يجوز الحجز عليها.

أسئلة شائعة

هل يُحبس المدين بعد خمسة أيام من التبليغ؟

لا يقع الحبس لمجرد انتهاء مهلة الأيام الخمسة الواردة في المادة (46). فالحبس التنفيذي له شروط ومدد مستقلة نظمتها المادة (83) ولائحتها.

هل يجوز حبس المعسر؟

لا يجوز الحبس التنفيذي إذا ثبت إعساره وفق أحكام النظام. أما مجرد ادعاء الإعسار فلا يساوي ثبوته.

ولشرح إثبات الإعسار وآثاره، اقرأ إعسار المدين في نظام التنفيذ.

هل موافقة الدائن لازمة للإفراج دائمًا؟

قيد موافقة طالب التنفيذ ورد في الحالة الخاصة التي يبلغ فيها الدين أو مجموع الديون مليون ريال فأكثر، مع إمكان الإفراج بموجب حكم خاضع للاستئناف. أما حالة الحبس بعد ستة أشهر فلها ضوابط الإفراج الخاصة الواردة في اللائحة.

هل تنتهي المطالبة بانتهاء مدة الحبس؟

لا. الحبس لا يؤدي إلى انقضاء الحق، ويظل الدين قائمًا حتى الوفاء أو التسوية أو انقضائه بسبب معتبر.

الخلاصة

الحبس التنفيذي في النظام السعودي ليس عقوبة تلقائية لكل مدين، ولا يصدر بمجرد وجود مبلغ غير مسدد. فالنظام ربطه بثبوت الامتناع عن التنفيذ، وأحاطه بإجراءات ومدد وضوابط تختلف بحسب مقدار الدين وحالة المدين.

وفي حالة بلوغ الدين أو مجموع الديون مليون ريال فأكثر، يجب إصدار حكم الحبس -عند طلب طالب التنفيذ وتحقق الشروط- بعد مضي ثلاثة أشهر. وفي غير ذلك يجوز إصداره بعد ستة أشهر وفق الضوابط المقررة.

كما حدد النظام حالات لا يجوز فيها الحبس، وأكد أن تنفيذه لا يسقط الدين. لذلك فإن التقييم الصحيح يتطلب فحص ملف التنفيذ كاملًا، لا الاكتفاء بوجود الدين أو صدور أمر التنفيذ.

مقالات ذات صلة

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى