السند التنفيذي في النظام السعودي- هل مستندك قابل للتنفيذ أمام محكمة التنفيذ؟
السند التنفيذي في النظام السعودي
قد يكون لديك عقد، أو إقرار مكتوب، أو شيك، أو حكم قضائي يثبت أن لك حقًا في ذمة شخص آخر. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم قبل تقديم طلب التنفيذ: هل ما بيدك يُعد سندًا تنفيذيًا يجيز لك التوجه مباشرة إلى محكمة التنفيذ؟ أم تحتاج أولًا إلى رفع دعوى أمام المحكمة المختصة لإثبات حقك؟
هذه التفرقة مهمة؛ لأن ثبوت الحق شيء، وامتلاك سند تنفيذي يسمح بالتنفيذ الجبري شيء آخر. فليس كل مستند يثبت حقًا يصلح بذاته للبدء في إجراءات التنفيذ.
متى يمكن التوجه مباشرة إلى محكمة التنفيذ؟
وضع نظام التنفيذ قاعدة أساسية مفادها أنه لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي لحق محدد المقدار حال الأداء.
كما قررت اللائحة التنفيذية أن السند واجب التنفيذ هو ما تضمن إلزامًا أو التزامًا.
لذلك، ينبغي فحص المستند قبل تقديم طلب التنفيذ. فلا يكفي أن يكون مكتوبًا أو موقعًا، بل يجب النظر إلى طبيعته ومضمونه. كما يلزم التحقق من كونه أحد السندات التي منحها النظام قوة التنفيذ.
فإذا كان المستند سندًا تنفيذيًا مستوفيًا لشروطه، أمكن سلوك طريق التنفيذ الجبري. أما إذا كان مجرد دليل على حق متنازع عليه، ولا يملك قوة السند التنفيذي، فقد يلزم اللجوء أولًا إلى المحكمة المختصة.
ما السندات التي يجوز التنفيذ بموجبها؟
حدد نظام التنفيذ السندات التنفيذية التي يجوز التنفيذ الجبري استنادًا إليها، وهي:
- الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة من المحاكم.
- أحكام المحكمين المذيلة بأمر التنفيذ وفقًا لنظام التحكيم.
- محاضر الصلح التي تصدرها الجهات المخولة بذلك أو التي تصدق عليها المحاكم.
- الأوراق التجارية.
- العقود والمحررات الموثقة.
- الأحكام والأوامر القضائية وأحكام المحكمين والمحررات الموثقة الصادرة في بلد أجنبي.
- الأوراق العادية التي يقر باستحقاق محتواها كليًا أو جزئيًا.
- العقود والأوراق الأخرى التي لها قوة سند التنفيذ بموجب نظام.
ومع ذلك، فإن وجود المستند ضمن إحدى هذه الفئات لا يعني إغفال الشروط الخاصة به. فلكل نوع من السندات أحكام ينبغي التحقق منها قبل البدء في التنفيذ.
لدي عقد موقع بيني وبين المدين.. هل أستطيع تنفيذه مباشرة؟
ليس كل عقد مكتوب أو موقع بين طرفين سندًا تنفيذيًا بمجرد وجوده.
فنظام التنفيذ عدَّ العقود والمحررات الموثقة من السندات التنفيذية. واشترطت اللائحة أن تكون صادرة ممن له صلاحية التوثيق، وفي حدود اختصاصه.
ومن ثم، يجب التمييز بين العقد الذي يصلح دليلًا على وجود حق، والعقد الذي اكتسب قوة السند التنفيذي وأصبح صالحًا للتنفيذ الجبري.
وقد يكون العقد مستندًا قويًا في إثبات المطالبة. ومع ذلك، قد يتطلب الأمر اللجوء إلى المحكمة المختصة لإثبات الاستحقاق قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
لدي ورقة موقعة من المدين يعترف فيها بالمبلغ.. هل تعد سندًا تنفيذيًا؟
عالج نظام التنفيذ هذه الحالة بصورة خاصة.
إذا كانت بيد الدائن ورقة عادية وأقر المدين بالحق الوارد فيها، أثبت قاضي التنفيذ إقراره، وعُدت الورقة سندًا تنفيذيًا.
أما إذا لم يقر المدين بالحق كله، أو اعترض على بعضه، فتكون الورقة سندًا تنفيذيًا فيما لم يعترض عليه. ويبقى للدائن حق رفع دعواه أمام المحكمة المختصة بالنسبة إلى الجزء محل الاعتراض.
وبذلك، فإن الورقة العادية لا تعامل دائمًا معاملة واحدة، وإنما يتأثر مركزها بما يصدر من المدين بشأن الحق الوارد فيها.
ماذا لو أقر المدين بالدين لكنه دفع بالأجل أو الإبراء؟
هذه الحالة تختلف عن مجرد الإقرار بالحق.
فإذا أقر المدين بأصل الحق في الورقة العادية، لكنه دفع بالأجل أو الإبراء أو نحوهما، يثبت قاضي التنفيذ ذلك في محضر. ووفقًا للائحة، لا تعد الورقة عندئذ سندًا تنفيذيًا، ويزود طالب التنفيذ بنسخة من المحضر، ثم يحفظ طلب التنفيذ.
وهنا تظهر أهمية التكييف القانوني للمستند وللاعتراض المقابل له. فمجرد إقرار المدين بأصل الحق لا يعني، في جميع الأحوال، استمرار التنفيذ عليه.
لدي شيك أو ورقة تجارية بها خلل.. هل تفقد قيمتها في التنفيذ؟
الأوراق التجارية من السندات التنفيذية التي نص عليها النظام صراحة.
ومع ذلك، عالجت اللائحة حالة تخلف أحد الشروط اللازمة لصحة الورقة التجارية. وقررت أن ذلك لا يمنع من معاملتها وفق الأحكام المقررة للورقة العادية.
لذلك، فإن وجود خلل يمنع معاملة المستند بوصفه ورقة تجارية لا يعني بالضرورة انتهاء قيمته. بل يجب بحث إمكانية معاملته وفق الطريق الذي قرره النظام للورقة العادية.
ماذا لو لم يحدد السند موعدًا للسداد؟
إذا خلا السند التنفيذي من بيان ميعاد الاستحقاق، فقد قررت اللائحة أنه يعد حال الأداء.
أما إذا اعترض المنفذ ضده بدعوى عدم حلول الأجل، فقد جعلت اللائحة له التقدم بدعوى أمام قاضي الموضوع.
وتبرز هنا أهمية التفرقة بين المسائل التي ينظرها قاضي التنفيذ، وتلك التي تكون أمام قاضي الموضوع. فطبيعة الاعتراض هي التي تحدد الطريق الذي يسلكه صاحب الشأن.
هل يمكن تنفيذ الحكم القضائي بمجرد صدوره؟
ليس كل حكم قضائي قابلًا للتنفيذ الجبري فور صدوره.
فالأصل الذي قرره نظام التنفيذ أنه لا يجوز تنفيذ الأحكام والقرارات والأوامر جبرًا ما دام الاعتراض عليها جائزًا. ويستثنى من ذلك ما كان مشمولًا بالنفاذ المعجل، أو كان النفاذ المعجل منصوصًا عليه في الأنظمة ذات العلاقة.
ولذلك، فإن مجرد وجود نسخة من الحكم لا يكفي للقول بإمكان تنفيذه. بل يجب التحقق من حالته النظامية ومدى قابليته للتنفيذ.
ماذا عن الأحكام والمحررات الصادرة خارج المملكة؟
أجاز نظام التنفيذ تنفيذ بعض الأحكام والأوامر القضائية وأحكام المحكمين والمحررات الموثقة الصادرة في بلد أجنبي. إلا أن تنفيذها لا يتم بصورة تلقائية.
فقد وضع النظام شروطًا خاصة لتنفيذ الحكم أو الأمر الأجنبي. ومن بينها التحقق من الاختصاص، وصحة تمثيل الخصوم وتمكينهم من الدفاع، وأن يكون الحكم نهائيًا وفق نظام المحكمة التي أصدرته.
كما يشترط ألا يتعارض الحكم مع حكم أو أمر صادر في الموضوع نفسه من جهة قضائية مختصة في المملكة. ويجب كذلك ألا يتضمن ما يخالف النظام العام في المملكة، فضلًا عن تحقق شرط المعاملة بالمثل.
لذلك، فإن السند الصادر خارج المملكة يحتاج إلى فحص مستقل قبل تقديمه للتنفيذ.
هل يجوز الاتفاق بعد صدور السند التنفيذي على طريقة أخرى للسداد؟
قد يتوصل طالب التنفيذ والمنفذ ضده إلى اتفاق يختلف عما تضمنه السند الأصلي.
وقد عالجت اللائحة هذه الحالة. فإذا اتفق الطرفان على خلاف ما تضمنه السند التنفيذي، أثبت قاضي التنفيذ الاتفاق. ويعد هذا الاتفاق سندًا تنفيذيًا، ويهمش على السند الأول بذلك.
وهذا الحكم مهم في التسويات التي تتم بعد نشوء السند. فلا يلزم أن يبقى التنفيذ مقيدًا بالصورة الأولى متى اتفق الطرفان وأثبت الاتفاق على الوجه المقرر.
قبل تقديم طلب التنفيذ.. لا تبدأ من المبلغ، بل من السند
من الأخطاء التي قد يقع فيها صاحب الحق أن يبدأ بالسؤال عن الحجز أو أموال المدين قبل حسم المسألة الأولى: هل يملك أصلًا سندًا صالحًا للتنفيذ؟
الفحص القانوني الصحيح يبدأ من المستند نفسه. فيتعين أولًا تحديد ما إذا كان من السندات التنفيذية التي حددها النظام، وما إذا كان يتضمن إلزامًا أو التزامًا.
بعد ذلك، يجب التحقق من كون الحق محدد المقدار وحال الأداء، ومن استيفاء المستند للشروط الخاصة بنوعه. ثم تأتي مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي تحديد طبيعة الاعتراض: هل يتعلق بالتنفيذ أم بأصل الحق؟
هذه المسائل هي التي تحدد الطريق الواجب سلوكه منذ البداية.
فقد تكون الحالة تسمح بالتوجه مباشرة إلى محكمة التنفيذ. وقد يكون المستند مجرد دليل يحتاج إلى إقامة دعوى والحصول على حكم. وفي حالات أخرى، قد يكون جزء من الحق قابلًا للتنفيذ، بينما يبقى الجزء المتنازع عليه أمام المحكمة المختصة.
الخلاصة
لا تقاس قوة المستند في مرحلة التنفيذ بمجرد وجود توقيع أو كتابة تثبت المديونية. وإنما العبرة بمدى اكتسابه صفة السند التنفيذي وتوافر شروط التنفيذ فيه.
لذلك، فإن وجود حق ثابت لا يعني بالضرورة إمكانية البدء فورًا في التنفيذ الجبري. كما أن عدم صلاحية مستند للتنفيذ بوصف معين لا يعني دائمًا سقوط الحق ذاته، فقد يبقى لصاحب الحق طريق آخر للمطالبة به.
ومن هنا تأتي أهمية التفرقة بين السند التنفيذي والمستند المثبت للحق، وبين ما يدخل في اختصاص قاضي التنفيذ وما يجب عرضه على قاضي الموضوع. وهذه هي نقطة البداية الصحيحة قبل اتخاذ أي إجراء تنفيذي.



