التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ السعودي: ماذا يحدث إذا رفض المدين تنفيذ الحكم؟
التنفيذ المباشر هو الوسيلة التي ينتقل بها الحكم من مجرد إلزام قضائي إلى تنفيذ فعلي عندما يكون المطلوب من المدين القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل، أو إخلاء عقار وتسليمه.
فقد يصدر الحكم ويصبح واجب التنفيذ، ومع ذلك يمتنع المحكوم عليه عن تنفيذه. وهنا نظم نظام التنفيذ السعودي وسائل تتيح لقاضي التنفيذ الوصول إلى النتيجة التي قضى بها الحكم، دون أن يبقى تنفيذها متوقفًا على إرادة المنفذ ضده.
حيث قد يصدر الحكم، ويصبح نهائيًا وقابلًا للتنفيذ، ومع ذلك تبقى المشكلة قائمة :
متى يستخدم التنفيذ المباشر؟
المحكوم عليه لا ينفذ.
وهنا لا نتحدث عن مدين امتنع عن دفع مبلغ يمكن الحجز على حسابه لتحصيله، وإنما عن حكم يتطلب منه أن يقوم بعمل معين، أو يمتنع عن عمل، أو يخلي عقارًا ويسلمه.
فهل يتوقف التنفيذ عند رفضه؟
نظام التنفيذ لم يجعل تنفيذ هذا النوع من الأحكام متوقفًا على إرادة المنفذ ضده، وإنما نظم ما يعرف بـ التنفيذ المباشر، ووضع وسائل تتدرج بحسب طبيعة الالتزام ومدى إمكانية تنفيذه دون تعاون المدين.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الحكم القضائي لا يفترض أن يتحول إلى ورقة بلا أثر لمجرد أن المحكوم عليه قرر عدم الامتثال له.
متى نكون أمام تنفيذ مباشر؟
يظهر التنفيذ المباشر عندما يكون محل السند التنفيذي فعلًا أو امتناعًا عن فعل.
فإذا كان تنفيذ الالتزام ممكنًا دون تدخل شخصي من المدين، ولم يقم بالتنفيذ خلال المهلة المقررة بعد تكليفه، أجاز النظام لقاضي التنفيذ أن يأمر بتنفيذه بواسطة القوة المختصة، مع اتخاذ ما يلزم لإتمام التنفيذ.
وهذا يختلف عن التنفيذ الذي يستهدف تحصيل مبلغ مالي من أموال المدين، والذي تناولناه في مقال [حجز أموال المدين لدى الغير في نظام التنفيذ السعودي].
والفكرة هنا بسيطة:
النظام لا يسأل فقط: أين أموال المدين؟ بل قد يسأل: كيف نجعل مضمون الحكم نفسه واقعًا؟
ماذا لو كان التنفيذ لا يمكن أن يتم إلا بواسطة المدين نفسه؟
هنا تصبح المسألة أكثر دقة.
قد يكون محل الحكم عملاً لا يمكن تنفيذه حقيقةً بواسطة شخص آخر، أو يكون تعاون المنفذ ضده ضروريًا لإتمامه.
في هذه الحالة أجازت المادة (69) لقاضي التنفيذ، إذا تعذر التنفيذ باستخدام القوة المختصة أو اقتضى التنفيذ قيام المدين به بنفسه ولم يفعل، أن يصدر حكمًا بغرامة مالية لا تزيد على عشرة آلاف ريال عن كل يوم يتأخر فيه عن التنفيذ.
وهذه الغرامة ليست تعويضًا لطالب التنفيذ، وإنما وسيلة نظامية لحمل المنفذ ضده على تنفيذ ما ألزم به.
والأهم أن النظام أعطى قاضي التنفيذ الحق في إلغاء الغرامة أو جزء منها إذا بادر المنفذ ضده بالتنفيذ.
وهنا تظهر فلسفة النص بوضوح:
الغاية ليست جمع الغرامات، وإنما الوصول إلى التنفيذ.
وإذا لم تكفِ الغرامة؟
انتقل النظام إلى وسيلة أشد.
فإذا تعذر استخدام القوة المختصة لإجراء التنفيذ، أو لم تحقق الغرامة المالية أثرها، أجازت المادة (70) لقاضي التنفيذ أن يصدر أمرًا بحبس المنفذ ضده لإجباره على التنفيذ.
وبحسب اللائحة، إذا امتنع المنفذ ضده عن التنفيذ المباشر، فللدائرة – إضافة إلى الإجراءات الواردة في النظام – اتخاذ إجراء أو أكثر من الآتي بحسب الحال:
المنع من السفر، ومنع الجهات الحكومية من التعامل معه، ومنع المنشآت المالية من التعامل معه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين هذه الأحكام وبين الإجراءات التي تناولناها سابقًا في مقال [المادة 46 من نظام التنفيذ السعودي وإجراءاتها بحق المدين]؛ فلكل منهما نطاقه وسببه النظامي.
ماذا عن الشركات والمنشآت؟
لا يستطيع الشخص المعنوي الخاص التخلص من التنفيذ بمجرد أن الالتزام مسجل باسم الشركة.
فالمادة (71) مدت أحكام التنفيذ المباشر إلى الممثل النظامي للشخص المعنوي الخاص، أو المتسبب من منسوبيه في إعاقة التنفيذ.
وبحسب اللائحة، يدخل في الممثل النظامي من تخوله أنظمة المنشأة أو عقدها التأسيسي صلاحية التصرف في الموضوع محل التنفيذ.
ومن ثم فإن تعطيل تنفيذ الحكم داخل الشركة قد يرتب آثارًا مباشرة على الشخص الذي يملك صلاحية التنفيذ أو من تسبب في إعاقته، بحسب الحال.
إخلاء العقار: عندما يتحول الحكم إلى تسليم فعلي
من أبرز تطبيقات التنفيذ المباشر إخلاء العقار.
فالمادة (72) لم تجعل تنفيذ حكم الإخلاء متوقفًا على قبول الشاغل أو تعاونه.
يكون التنفيذ بخروج مأمور التنفيذ إلى موقع العقار في اليوم التالي لمضي خمسة أيام من تاريخ إبلاغ المنفذ ضده بأمر التنفيذ، ويأمر بالإخلاء، وله استخدام القوة المختصة لدخول العقار عند الضرورة.
والأهم عمليًا أن النظام عالج حتى الحالة التي لا يكون فيها أحد داخل العقار.
فإذا لم يحضر من يتسلم المنقولات الموجودة بداخله، تُسلَّم إلى الخازن القضائي، ويبيعها قاضي التنفيذ بعد شهرين إذا لم يتسلمها صاحبها، وتوضع قيمتها في حساب المحكمة.
أي أن ترك الأثاث أو المنقولات داخل العقار لا يجعلها وسيلة لتعطيل الإخلاء.
وماذا إذا كان العقار مشغولًا بشخص غير المنفذ ضده؟
هذه من المسائل العملية المهمة.
إذا ظهر أن العقار مشغول بغير المنفذ ضده وامتنع الشاغل عن الإخلاء، فإن وضعه يختلف بحسب السند الذي يستند إليه.
فإذا كان يحمل سندًا تنفيذيًا يتضمن حقًا في استغلال العقار، عُدَّ ذلك من منازعات التنفيذ.
أما إذا لم يكن لديه ما يثبت هذا الحق على النحو المعتبر، فلا يعني مجرد وجوده في العقار بالضرورة توقف إجراءات التنفيذ، وله اللجوء إلى قاضي الموضوع وفق ما قررته اللائحة.
وبذلك يوازن التنظيم بين عدم تعطيل تنفيذ الحكم وبين حفظ حق الغير في اللجوء إلى القضاء عند وجود منازعة حقيقية.
هل وجود نساء أو أطفال داخل العقار يمنع الإخلاء؟
لا.
لكن اللائحة راعت طبيعة التنفيذ في هذه الحالة، فنصت على أنه إذا كان يوجد في المسكن نساء أو أطفال، فعلى الضابط الشرعي تسهيل مغادرتهم بما لا يعرقل إجراءات التنفيذ، ويكون التنفيذ بحضور القوة المختصة.
وهذا تنظيم لطريقة التنفيذ، وليس مانعًا من تنفيذ الإخلاء ذاته.
وهل يجوز للمنفذ ضده تأخير الإخلاء؟
الأصل تنفيذ الحكم.
لكن اللائحة أجازت للدائرة، عند الضرورة، تأجيل البدء بإخلاء العقار مدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا.
ومن ثم فالتأجيل هنا ليس حقًا مطلقًا للمنفذ ضده، وإنما استثناء مرتبط بتقدير وجود الضرورة وفي الحدود التي قررتها اللائحة.
ماذا نتعلم من أحكام التنفيذ المباشر؟
الخطأ الذي يقع فيه بعض المنفذ ضدهم هو الاعتقاد بأن رفض التعاون كافٍ لتعطيل الحكم.
والنصوص محل المقال تقول عكس ذلك.
فالتنفيذ قد يبدأ بالتكليف، ثم ينتقل – بحسب طبيعة الالتزام – إلى التنفيذ بالقوة المختصة، أو الغرامة اليومية، أو الحبس والإجراءات الأخرى المقررة نظامًا.
وفي إخلاء العقارات يمتد التنظيم إلى الدخول للعقار، والتعامل مع المنقولات الموجودة داخله، ومعالجة وجود شاغلين آخرين، حتى يصل التنفيذ إلى نتيجته العملية.
ولهذا فإن المسألة بالنسبة لطالب التنفيذ لا تنتهي عند السؤال:
«صدر الحكم.. فهل سينفذ المدين؟»
بل السؤال الأدق:
«ما الوسيلة النظامية التي تسمح بتنفيذ الحكم إذا لم ينفذه المدين بإرادته؟»
وهذا تحديدًا هو الدور الذي يؤديه التنفيذ المباشر في نظام التنفيذ السعودي.




