نظام مكافحة المخدرات في السعودية – الجرائم والعقوبات

نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في السعودية: دليل الجرائم والعقوبات والعلاج
لا يعامل نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية جميع الوقائع معاملة واحدة؛ فتهريب المادة المخدرة يختلف عن ترويجها، والحيازة بقصد الاتجار تختلف عن الحيازة المجردة أو الحيازة بقصد التعاطي، كما أن طلب العلاج من الإدمان يخضع لأحكام تختلف عن الأحكام المطبقة عند ضبط جريمة مستقلة.
وتظهر أهمية هذا التمييز عند تحديد الوصف الجرمي والعقوبة؛ لأن وجود مادة مخدرة في واقعة ما لا يكفي وحده للقول إن الجريمة تهريب أو ترويج أو تعاطٍ. بل يجب تحديد ماهية المادة، والفعل الذي وقع عليها، والغرض من ذلك الفعل، والأدلة التي تربط المتهم به.
أولًا: ما المقصود بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية؟
عرّفت المادة الأولى من النظام المواد المخدرة بأنها كل مادة طبيعية أو مركبة أو مصنعة من المواد المدرجة في الجدول رقم (1) المرافق للنظام، كما عرّفت المؤثرات العقلية بأنها المواد الطبيعية أو المركبة أو المصنعة المدرجة في الجدول رقم (2).
وعرّفت المادة كذلك السلائف الكيميائية بأنها المواد المستخدمة في الصنع غير المشروع للمخدرات أو المؤثرات العقلية والمدرجة في الجدول رقم (3)، بينما تناول الجدول رقم (4) النباتات والبذور الخاضعة لأحكام النظام.
لا يكفي الاسم المتداول للمادة لإثبات خضوعها للنظام، وإنما يجب التحقق من حقيقتها الفنية ومدى إدراجها في الجداول المرافقة له.
ثانيًا: ما الأفعال التي عدّها النظام جرائم؟
جمعت المادة الثالثة من النظام الأفعال المجرّمة، وشملت نطاقًا واسعًا من صور التعامل غير المشروع مع المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، ومن أبرزها:
- تهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو تلقيها من المهربين.
- جلبها أو استيرادها أو تصديرها أو إنتاجها أو صنعها أو استخلاصها.
- حيازتها أو إحرازها أو بيعها أو شراؤها أو توزيعها.
- تسليمها أو تسلمها أو نقلها أو المقايضة بها.
- تعاطيها أو التوسط فيها أو تسهيل تعاطيها أو إهداؤها أو تمويلها.
- زراعة النباتات المدرجة في الجدول الرابع أو التصرف فيها أو في بذورها.
- صناعة المعدات أو المواد بقصد استخدامها في الإنتاج أو الزراعة غير المشروعة.
- غسل الأموال المتحصلة من الجرائم المنصوص عليها في النظام.
- المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة، وكذلك الشروع في ارتكاب الجريمة.
ومع ذلك، فإن ورود هذه الأفعال في مادة واحدة لا يعني تماثل عقوباتها؛ فالعقوبة تتحدد وفق طبيعة الفعل، والقصد المصاحب له، والظروف المحيطة بارتكابه.
ثالثًا: ما الفرق بين التهريب والترويج والحيازة والتعاطي؟
| الوصف | جوهر الواقعة | المادة |
|---|---|---|
| التهريب | ما يعد تهريبًا وفق التنظيم الجمركي، أو تلقي المواد من المهربين. | 37 |
| الترويج أو الاتجار | التصرف في المادة بقصد الاتجار أو الترويج بمقابل أو بغير مقابل. | 37 و38 |
| الحيازة المجردة | الحيازة أو النقل أو التسليم من دون قصد الاتجار أو الترويج أو التعاطي. | 39 |
| التعاطي الشخصي | ارتكاب الفعل بقصد تعاطي المادة أو استعمالها شخصيًا. | 41 |
يتضح من ذلك أن القصد ليس مسألة ثانوية؛ فقد يكون الفعل المادي واحدًا، كالحيازة أو النقل، بينما يختلف الوصف النظامي باختلاف الغرض الثابت من الفعل.
ولهذا ينبغي عند دراسة القضية عدم الاكتفاء بوجود المادة أو كميتها، وإنما يلزم فحص طريقة الضبط، ومكان العثور عليها، وكيفية حفظها، وما إذا وجدت أدوات أو اتصالات أو تعاملات يمكن أن تكشف عن الغرض من الحيازة.
رابعًا: عقوبة تهريب المخدرات والترويج في الحالات الجسيمة
حددت المادة السابعة والثلاثون حالات يعاقب فيها بالقتل تعزيرًا، ومن أبرزها تهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية، وتلقيها من المهربين، وبعض صور الجلب أو الاستيراد أو التصدير أو التصنيع أو الزراعة المقترنة بقصد الترويج.
كما شملت المادة ترويج المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية للمرة الثانية، بشرط صدور حكم سابق مثبت للإدانة بالترويج في المرة الأولى، وكذلك الترويج للمرة الأولى إذا سبق الحكم على الجاني بإحدى الجرائم التي حددتها المادة.
وأجازت المادة للمحكمة، لأسباب تقدرها، النزول عن عقوبة القتل إلى العقوبات البديلة المحددة في النص. ولذلك يجب قراءة المادة بجميع بنودها، وعدم اختزالها في تصور أن كل قضية مخدرات أو كل حيازة تؤدي إلى العقوبة ذاتها.
خامسًا: عقوبة الحيازة بقصد الاتجار أو الترويج
قررت المادة الثامنة والثلاثون عقوبة السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، والغرامة من ألف ريال إلى خمسين ألف ريال، إضافة إلى العقوبة الأخرى الواردة في نص المادة، على من يرتكب أحد الأفعال المحددة فيها بقصد الاتجار أو الترويج بمقابل أو بغير مقابل، خارج الأحوال المرخص بها نظامًا.
وشددت المادة العقوبة في حالات محددة، من بينها توافر بعض الصفات الوظيفية في الجاني، أو وقوع الجريمة في المساجد أو دور التعليم أو المؤسسات الإصلاحية، أو استغلال القاصر، أو تهيئة مكان بمقابل لتعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية.
سادسًا: الحيازة المجردة والحيازة بقصد التعاطي
عالجت المادة التاسعة والثلاثون الحيازة المجردة، وهي الحيازة أو الإحراز أو النقل أو التسليم أو التسلم من دون قصد الاتجار أو الترويج أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي. وقررت لها السجن مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات، والغرامة من ثلاثة آلاف إلى ثلاثين ألف ريال، إضافة إلى العقوبة الأخرى الواردة في نصها.
أما المادة الحادية والأربعون فقد خصت الأفعال التي تقع بقصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي بعقوبة السجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين.
وتشدد عقوبة التعاطي إذا كان المتعاطي ممن يتولون مكافحة المخدرات أو الرقابة على حيازتها أو تداولها، أو كانت له صلة وظيفية بها، أو إذا تعاطى المادة أو استعملها أو كان تحت تأثيرها أثناء تأدية عمله.
وجود المادة المضبوطة لا يحسم وحده وصف الجريمة؛ فالفاصل بين المواد (38) و(39) و(41) هو القصد الذي تثبته وقائع القضية وأدلتها.
سابعًا: كيف تثبت طبيعة المادة المضبوطة؟
أدخل النظام ضمن تعريفاته مفهوم الخبرة الفنية والدليل المادي، وربطه بإجراء التحليل المخبري في المختبر المعتمد للكشف عن كنه المادة المضبوطة وإثبات إيجابيتها للمادة المخدرة أو المؤثر العقلي من عدمها.
وأكدت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية أن التحليل المخبري يعتمد من خبيرين مختصين بالنسبة إلى نتيجة فحص المادة المضبوطة، وكذلك نتيجة تحليل العينات المأخوذة من المتهمين.
ويكشف ذلك عن أهمية الدليل الفني؛ لأن الوصف النظامي لا يقوم على مظهر المادة أو الاعتقاد الشخصي بطبيعتها، وإنما على نتيجة فنية معتمدة تثبت حقيقتها ومدى خضوعها للجداول المرافقة للنظام.
ثامنًا: هل يعاقب من يساعد في ارتكاب الجريمة؟
قررت المادة الثامنة والخمسون معاقبة من يشارك في ارتكاب الأفعال المحددة فيها بالعقوبة المقررة للجريمة نفسها، سواء كانت المشاركة بالاتفاق أم بالتحريض أم بالمساعدة.
كما عالجت المادة التاسعة والخمسون الشروع في الجريمة، وفرقت في مقدار العقوبة بين الشروع في الجرائم المنصوص عليها في المادة الثامنة والثلاثين وبين الشروع في الجرائم الأخرى.
وبذلك لا تقف المسؤولية عند الشخص الذي باشر الفعل المادي وحده، وإنما قد تمتد إلى من ثبت اتفاقه أو تحريضه أو مساعدته وفق الحدود التي رسمها النظام.
تاسعًا: متى يقدم النظام العلاج بدلًا من العقوبة؟
لم يعالج النظام الإدمان من زاوية العقوبة وحدها، وإنما خصص له مجموعة من الأحكام العلاجية التي تراعي طبيعة الحالة وشروط الاستفادة من العلاج.
فقد نصت المادة الثانية والأربعون على عدم إقامة الدعوى بسبب التعاطي أو الاستعمال أو الإدمان إذا تقدم الشخص بنفسه، أو تقدم أحد أصوله أو فروعه أو زوجه أو أحد أقاربه طالبًا علاجه، بشرط تسليم ما في حوزته من مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية، إن وجدت، أو الإرشاد إلى مكانها.
كما أجازت المادة الثالثة والأربعون، بدلًا من إيقاع العقوبة على المدمن، الأمر بإيداعه في إحدى المصحات المخصصة للعلاج، وفق الحالات والإجراءات والشروط التي فصلتها اللائحة التنفيذية.
وأجازت المادة الخمسون إلزام المتعاطي أو مستعمل المواد المخدرة ممن يثبت إدمانه بمراجعة عيادة نفسية متخصصة بدلًا من العقوبة المنصوص عليها في المادة الحادية والأربعين.
وحمت المادة الحادية والخمسون سرية العلاج، فأوجبت التكتّم على هوية المدمن والمعلومات المتعلقة به، ورتبت عقوبة على من يفشيها من المعنيين بتلك المعلومات.
عاشرًا: ما الآثار التي قد تترتب على الحكم؟
قد تتجاوز آثار الحكم عقوبتي السجن والغرامة؛ إذ نظم النظام عددًا من العقوبات والآثار التكميلية، ومن أهمها:
- مصادرة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية المضبوطة وإتلافها أو تسليمها لجهة حكومية للانتفاع المشروع بها.
- مصادرة الأدوات ووسائط النقل والأموال والمتحصلات المرتبطة بالجريمة، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
- الحجز التحفظي على الأموال متى قامت الأدلة أو القرائن التي حددتها المادة الرابعة والخمسون.
- إلغاء ترخيص المنشأة أو إغلاقها في الحالات التي حددها النظام.
- إلغاء ترخيص مزاولة المهنة عند تحقق شروط المادة السابعة والخمسين.
- منع السعودي المحكوم عليه من السفر بعد تنفيذ عقوبة السجن وفق المادة السادسة والخمسين.
- إبعاد غير السعودي عن المملكة بعد تنفيذ العقوبة وعدم السماح له بالعودة، إلا في الحدود الواردة في المادة ذاتها.
حادي عشر: هل يجوز تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها؟
أجازت المادة الستون للمحكمة، لأسباب معتبرة يجب بيانها في الحكم، النزول عن الحد الأدنى لبعض عقوبات السجن الواردة في النظام، بالنظر إلى أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو ظروفه الشخصية أو ظروف ارتكاب الجريمة، أو غير ذلك مما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى المخالفة.
كما قررت المادة الحادية والستون إعفاء من يبادر من الجناة، ما لم يكن محرضًا، بإبلاغ السلطات العامة عن الجريمة قبل علمها بها. فإذا وقع البلاغ بعد علم السلطات، اشترط النظام أن يؤدي البلاغ إلى ضبط باقي الجناة متى كان ذلك ممكنًا.
ولا يعد الإعفاء أو النزول عن الحد الأدنى نتيجة تلقائية، بل يجب التحقق من شروط النص ومدى انطباقها على الواقعة المعروضة.
كيف تبدأ دراسة قضية مخدرات؟
الدراسة المهنية للقضية لا تبدأ من مقدار العقوبة، وإنما من تحديد عناصر الواقعة بصورة مرتبة:
- ما المادة المضبوطة، وهل أثبت التحليل المعتمد خضوعها للنظام؟
- أين ضبطت المادة، وتحت يد من كانت؟
- ما الفعل المنسوب إلى المتهم تحديدًا؟
- هل ثبت علم المتهم بطبيعة المادة ووجودها؟
- ما القصد المنسوب إليه: الترويج أم التعاطي أم غير ذلك؟
- ما الأدلة والقرائن التي تستند إليها جهة الاتهام في إثبات هذا القصد؟
- هل توجد ظروف مشددة أو أسباب نظامية للعلاج أو الإعفاء أو التخفيف؟
- ما الآثار التابعة للحكم، كالمصادرة أو المنع من السفر أو الإبعاد؟
ونخلص مما سبق إلى أن…
أقام نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية أحكامه على التمييز بين الأفعال والأغراض والظروف، ولم يجعل جميع قضايا المخدرات في مرتبة واحدة.
فالتهريب له حكمه، والترويج له عناصره، والحيازة المجردة تختلف عن الحيازة بقصد التعاطي، كما أن الاشتراك والشروع والمصادرة والإبعاد والعلاج والإعفاء تخضع لأحكام مستقلة.
ولهذا فإن الوصف النظامي الصحيح لا يستخلص من وجود المادة وحده، بل من اجتماع الدليل الفني بالفعل المادي والقصد الثابت والظروف المحيطة بالواقعة. ومن هذه العناصر يبدأ التقييم القانوني السليم للقضية.
استشارة قانونية في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية
تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية
دراسة محاضر الضبط والتحليل المخبري وأدلة الاتهام، وتحديد الوصف النظامي للواقعة، وإعداد المذكرات والاعتراضات أمام الجهات القضائية المختصة.




