المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

مصادرة المواد والأموال والأدوات في قضايا المخدرات

مصادرة المواد والأموال في قضايا المخدرات: ما الذي يُصادر ومتى يفرض الحجز التحفظي؟

تنبيه:
يعرض هذا المقال أحكام المواد الثانية والخمسين والثالثة والخمسين والرابعة والخمسين من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، والمادة السادسة والثلاثين من لائحته التنفيذية، في حدود النصوص النظامية.

قد تبدأ قضية المخدرات بضبط مادة ممنوعة، ثم تمتد إجراءاتها إلى مركبة أو أدوات أو مبالغ مالية أو عقارات يشتبه في استخدامها في الجريمة أو تحصيلها منها. وهنا لا يكون السؤال واحدًا؛ لأن النظام يميز بين مصادرة المواد المضبوطة، ومصادرة الأدوات والأموال بحكم قضائي، والحجز التحفظي المؤقت على الأموال إلى حين الفصل في القضية.

وهذه الفروق ليست شكلية. فلكل إجراء محل مختلف، وتوقيت مختلف، وشروط مختلفة. كما أن أثره في ملكية المال يختلف؛ فالحجز التحفظي لا يساوي المصادرة، وضبط الشيء لا يعني بالضرورة الحكم النهائي بمصادرته.

ما الفرق بين الضبط والمصادرة والحجز التحفظي؟

الإجراء طبيعته أثره
الضبط وضع الشيء تحت يد الجهة المختصة وإثباته في المحضر. حفظ الشيء والتعامل معه وفق الإجراءات النظامية.
المصادرة إخراج المادة أو المال أو الأداة من ملك صاحبها وفق الحالات التي حددها النظام. أثر نهائي يختلف طريقه بحسب محل المصادرة.
الحجز التحفظي إجراء مؤقت على الأموال المنقولة وغير المنقولة. يبقى إلى أن يُحكم في القضية، ولا يمثل بذاته حكمًا نهائيًا بالمصادرة.

أهم قاعدة في الموضوع

لا يجوز التعامل مع كل مال ضُبط في القضية بوصفه متحصلًا من الجريمة تلقائيًا؛ بل يجب تحديد النص المنطبق، وطبيعة المال، وصلته بالفعل الجرمي، والجهة التي تملك إصدار الإجراء.

أولًا: مصادرة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية المضبوطة

قررت الفقرة الأولى من المادة الثانية والخمسين مصادرة المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية المضبوطة، وكذلك كل ما كان صنعه أو اقتناؤه أو بيعه أو استعماله غير مشروع.

ويمتاز هذا الحكم بأن المصادرة تقع ولو لم تكن المواد عائدة إلى المتهم، بل ولو لم تؤد الواقعة إلى إدانته. ويرجع ذلك إلى طبيعة الأشياء التي يكون صنعها أو اقتناؤها أو تداولها أو استعمالها غير مشروع؛ فلا يعاد التعامل معها كالأموال أو المنقولات المباحة.

هل تتوقف مصادرة المادة على إدانة المتهم؟

لا، في النطاق الذي قررته المادة الثانية والخمسون. فقد نصت صراحةً على المصادرة وإن لم تكن المواد عائدة إلى المتهم أو لم تؤد إلى إدانته.

لكن عدم توقف مصادرة المادة على الإدانة لا يعني أن وجود المادة يثبت تلقائيًا مسؤولية شخص بعينه. فمصير الشيء المضبوط مسألة، وثبوت نسبة الحيازة أو الاتجار أو التعاطي إلى المتهم مسألة أخرى تخضع للأدلة والإجراءات والوصف الجرمي.

متى تتم مصادرة المواد المضبوطة؟

أوضحت المادة السادسة والثلاثون من اللائحة التنفيذية أن المواد المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة الثانية والخمسين تصادر بمجرد ضبطها، على أن يثبت ذلك في محضر الضبط.

ويظهر من ذلك أن إثبات المصادرة في المحضر ضمانة إجرائية مهمة؛ لأنها توثق نوع المادة المضبوطة ومقدارها والإجراء الذي اتخذ بشأنها. كما أجازت اللائحة لوزير الداخلية إبقاء المواد غير المشروعة لدى الجهة الضابطة حتى موعد إتلافها أو تسليمها إلى إدارة مكافحة المخدرات.

ماذا يحدث للمواد بعد مصادرتها؟

وضعت المادة الثانية والخمسون مسارين للتعامل مع المواد المصادرة: إتلافها، أو تسليمها كاملة أو تسليم جزء منها إلى جهة حكومية للانتفاع بها في الأغراض العلمية أو الصناعية أو الطبية، وفق ما تحدده اللائحة.

وفصلت المادة السادسة والثلاثون من اللائحة إجراءات الإتلاف، فنصت على تشكيل لجنة أو أكثر بحسب ما يراه وزير الداخلية، يشارك فيها مندوبون من الجهات التي حددتها اللائحة. كما أحالت ضوابط وإجراءات الإتلاف إلى قرار من وزير الداخلية.

وأجازت اللائحة تسليم المواد المصادرة كلها أو بعضها إلى جهة حكومية للانتفاع بها في الأغراض العلمية أو الصناعية أو الطبية، وفق ضوابط تصدر بقرار من وزير الداخلية. وبذلك لا يكون التصرف في المواد المصادرة متروكًا للجهة الحائزة لها دون تنظيم.

ثانيًا: مصادرة الآلات والأدوات ووسائط النقل

قررت المادة الثالثة والخمسون، مع عدم الإخلال بحقوق الآخرين حسني النية، مصادرة الآلات والأدوات ووسائط النقل المضبوطة التي استُخدمت في ارتكاب الجريمة. وهذه المصادرة لا تقع بالطريق نفسه المقرر للمادة المخدرة؛ إذ اشترط النص أن تكون بحكم قضائي.

ومن ثم يجب إثبات استخدام الأداة أو المركبة أو وسيلة النقل في ارتكاب الجريمة. فمجرد وجود مركبة في موقع الضبط أو ملكيتها للمتهم لا يكفي وحده إذا لم تثبت صلتها بالفعل الجرمي على الوجه الذي يتطلبه النص.

ماذا عن حقوق المالك حسن النية؟

استهلت المادة الثالثة والخمسون حكمها بعبارة صريحة: «مع عدم الإخلال بحقوق الآخرين حسني النية». ولهذه العبارة أثر مهم عندما تكون الأداة أو المركبة أو المال مسجلًا باسم شخص آخر أو يدعي الغير حقًا عليه.

ولا يكفي لإعمال الحماية مجرد القول إن المال مملوك للغير، بل يلزم بحث حقيقة الملكية، وسبب انتقال الحيازة، وعلم المالك بطريقة الاستخدام، ومدى حسن نيته، والمستندات المؤيدة لحقه. كما لا يجوز إهدار حق الغير لمجرد ضبط ماله مع المتهم دون فحص مستقل لصلته بالواقعة.

ثالثًا: مصادرة الأموال والمتحصلات الناتجة عن الجريمة

تشمل المصادرة القضائية الأموال والأشياء المستمدة أو المتحصلة بطريق مباشر أو غير مباشر من ارتكاب الجريمة، حتى لو أخفيت حقيقتها أو ملكيتها أو جرى تمويهها.

ولا يقتصر الحكم على الصورة الأصلية للمتحصلات؛ فقد نص النظام على مصادرة المتحصلات الناتجة عن الأفعال الجرمية ولو حُولت إلى أموال من نوع آخر. فإذا تغير شكل المال أو استبدل بأصل آخر، فإن التحويل لا يمنع بحث مصدره ومصادرته متى ثبتت الصلة التي يتطلبها النظام.

ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن كل مال يملكه المتهم متحصل من الجريمة. بل يجب أن تقوم الأدلة على المصدر المباشر أو غير المباشر، أو على التحويل أو التمويه، مع تمكين صاحب الشأن من تقديم ما يثبت المصدر المشروع للمال.

ماذا لو اختلطت المتحصلات غير المشروعة بأموال مشروعة؟

عالجت المادة الثالثة والخمسون حالة اختلاط المتحصلات غير المشروعة بأموال اكتسبت من مصادر مشروعة. ففي هذه الحالة تكون المصادرة لما يعادل القيمة المقدرة للمتحصلات غير المشروعة.

وهذا الحكم يمنع أن يكون خلط المال غير المشروع بأموال أخرى وسيلة تحول دون المصادرة، لكنه في الوقت نفسه يقتضي تحديد قيمة المتحصلات غير المشروعة وعدم مصادرة المال المختلط كله دون تمييز إذا كان جزء منه ثابت المصدر المشروع.

هل يمكن مصادرة الأرض المزروعة بالنباتات المحظورة؟

نصت المادة الثالثة والخمسون على مصادرة الأرض التي زُرعت بالنباتات المدرجة في الجدول رقم (4) المرافق للنظام إذا كانت مملوكة للجاني.

أما إذا لم يكن الجاني مالكًا للأرض، فإن النظام لم يقرر مصادرتها منه باعتباره غير مالك لها، وإنما جعل المحكمة تنظر في إنهاء سند الحيازة. ومن ثم يتغير الأثر بحسب صفة الجاني بالنسبة إلى الأرض: مالكًا لها أو حائزًا بموجب سند.

رابعًا: الحجز التحفظي على الأموال قبل الحكم

أجازت المادة الرابعة والخمسون للمحكمة المختصة، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب من جهة التحقيق، أن تحكم بإجراء الحجز التحفظي في أي مرحلة من مراحل التحقيق أو حال نظر القضية، متى توافرت لديها أسباب مقنعة.

والحجز التحفظي هنا إجراء مؤقت غايته إبقاء الأموال تحت نطاق الحماية إلى أن يصدر الحكم في القضية، فلا يجري تهريبها أو التصرف فيها بما يعوق تنفيذ ما قد ينتهي إليه الحكم. ومع ذلك، لا يتحول الحجز بمجرد صدوره إلى مصادرة نهائية.

على أموال من يمكن فرض الحجز التحفظي؟

حدد النص نطاق الحجز التحفظي بأموال مهربي المخدرات أو تجارها، كما أجاز امتداده إلى أموال أزواجهم أو أولادهم القاصرين أو غيرهم من الأشخاص، سواء كانت الأموال أو الأشخاص داخل المملكة أو خارجها.

لكن امتداد الحجز إلى أموال الزوج أو الأولاد القاصرين أو الغير لا يقوم لمجرد القرابة أو الصلة بالمتهم؛ فقد اشترطت المادة وجود أدلة أو قرائن تدل على أن مصدر هذه الأموال أو بعضها هو أحد الأفعال الجرمية الواردة في المادة الثالثة من النظام.

ما شروط الحجز التحفظي؟

  1. أن يصدر الإجراء من المحكمة المختصة.
  2. أن تتوافر للمحكمة أسباب مقنعة تبرر الحجز.
  3. أن يتعلق الأمر بأموال منقولة أو غير منقولة تدخل في النطاق الذي حددته المادة.
  4. أن تقوم أدلة أو قرائن على أن مصدر الأموال أو بعضها فعل جرمي وارد في المادة الثالثة.
  5. أن يبقى الحجز في طبيعته المؤقتة إلى أن يُحكم في القضية.

هل الحجز على مال الزوج أو الغير يعني اتهامه؟

لا يلزم من الحجز التحفظي على مال مسجل باسم الزوج أو أحد الأولاد القاصرين أو شخص آخر أن يكون ذلك الشخص متهمًا في الجريمة. فالمادة تتعلق بمصدر المال وتسمح بحمايته مؤقتًا إلى حين الحكم إذا قامت الأدلة أو القرائن المطلوبة.

وفي المقابل، يظل لصاحب المال أن يقدم ما يثبت مصدره المشروع وحقيقة ملكيته والعمليات التي نشأ عنها. كما يجب أن تكون الأموال المشمولة بالحجز محددة، وأن تكون الصلة المدعى بها بينها وبين الأفعال الجرمية قابلة للفحص والمناقشة.

ما المستندات المهمة عند مناقشة المصادرة أو الحجز؟

  • محضر الضبط ووصف الأشياء والمواد والكميات المثبتة فيه.
  • مستندات ملكية المركبة أو الأداة أو العقار وتاريخ اكتسابها.
  • كشوف الحسابات والتحويلات والمستندات المثبتة لمصدر الأموال.
  • العقود والفواتير والسجلات التجارية المرتبطة بالدخل المشروع.
  • الدليل على استخدام الأداة أو وسيلة النقل في ارتكاب الجريمة.
  • ما يثبت حقوق الغير وحسن نيته وعدم علمه بالاستخدام غير المشروع.
  • التقارير التي تحدد قيمة المتحصلات غير المشروعة عند اختلاطها بأموال مشروعة.

الخلاصة

نظم نظام مكافحة المخدرات المصادرة والحجز التحفظي في ثلاث دوائر متمايزة. فالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية وما كان صنعه أو اقتناؤه أو بيعه أو استعماله غير مشروع يصادر بمجرد ضبطه، ولو لم يكن عائدًا إلى المتهم أو لم تؤد الواقعة إلى إدانته.

أما الأدوات ووسائط النقل والمتحصلات والأموال المحولة والأرض المزروعة، فتخضع للمصادرة بحكم قضائي مع عدم الإخلال بحقوق الآخرين حسني النية. ويأتي الحجز التحفظي بوصفه إجراءً مؤقتًا يجوز للمحكمة اتخاذه عند وجود أسباب مقنعة وأدلة أو قرائن على أن مصدر الأموال مرتبط بالأفعال الجرمية، ويبقى إلى أن يُحكم في القضية.

هل شمل الضبط أو الحجز مركبة أو حسابًا أو عقارًا في قضية مخدرات؟

تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية مراجعة قرار الحجز ومستندات الملكية ومصدر الأموال، ودراسة حقوق الغير وإعداد الدفاع أو الطلب المناسب وفق ظروف القضية.

هذا المقال للتوعية القانونية العامة، ولا يعد استشارة قانونية لحالة بعينها؛ إذ تختلف المعالجة باختلاف الوقائع والأموال والأدلة والإجراءات والمستندات.


اقرأ ضمن السلسلة:


الدليل الشامل لنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في السعودية


المقال السابق: منع السفر والإبعاد في قضايا المخدرات: أثر الحكم على السعودي وغير السعودي.


المقال التالي: أثر الإدانة في قضايا المخدرات على تراخيص المهنة والمنشآت.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى