المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

الاشتراك في جرائم المخدرات بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة

الاشتراك في جرائم المخدرات: متى يعاقب الشريك بعقوبة الجريمة نفسها؟

الخلاصة النظامية:
لا يشترط لقيام المسؤولية أن ينفذ الشخص الفعل المادي للجريمة بنفسه؛ فقد تقوم مشاركته عن طريق الاتفاق أو التحريض أو المساعدة. وإذا ثبت اشتراكه في أحد الأفعال التي حددها النظام، عوقب بالعقوبة المقررة للجريمة نفسها وفق المادة الثامنة والخمسين.

قد تضبط المادة المخدرة مع شخص واحد، بينما تكشف التحقيقات عن أدوار أخرى سبقت الضبط أو رافقته: شخص اتفق على تنفيذ الفعل، وآخر دفع إليه أو حرّض عليه، وثالث قدم وسيلة أو معلومة أو عونًا ساعد على وقوعه. وهنا لا تقف المسؤولية بالضرورة عند من باشر الفعل بيده؛ لأن نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية جرم صورًا محددة من المشاركة.

لكن خطورة هذا الحكم لا تجيز التوسع فيه بلا ضابط. فإسناد الاشتراك لا يقوم على مجرد الصلة بالمتهم الأصلي، أو المعرفة به، أو الوجود في مكان واحد معه؛ وإنما يلزم تحديد صورة المشاركة المنسوبة إلى كل شخص، والفعل الأصلي الذي اتجهت إليه، والأدلة التي تربط بين دوره وبين ارتكاب ذلك الفعل.

أولًا: ما الأساس النظامي لتجريم الاشتراك؟

عدّت الفقرة السادسة من المادة الثالثة المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة في ارتكاب أي من الأفعال المنصوص عليها في الفقرات من الأولى إلى الخامسة من المادة نفسها فعلًا جرميًا. ثم جاءت المادة الثامنة والخمسون وقررت أن كل من شارك في ارتكاب أي من تلك الأفعال يعاقب بالعقوبة المقررة على الجريمة نفسها، سواء كانت المشاركة بالاتفاق أم بالتحريض أم بالمساعدة.

وبذلك يتكون البناء النظامي من مرحلتين مترابطتين: الأولى تصف المشاركة بأنها فعل مجرم، والثانية تحدد جزاءها بمساواة الشريك -من حيث العقوبة المقررة- بمن ارتكب الجريمة التي شارك فيها. ولذلك لا توجد عقوبة واحدة ثابتة لكل صور الاشتراك؛ بل تتحدد العقوبة بالنظر إلى الجريمة الأصلية التي ثبتت المشاركة فيها.

نتيجة عملية:
لا يكفي في قرار الاتهام أو الحكم استخدام عبارة عامة مثل «اشترك في جريمة مخدرات». بل ينبغي تحديد الجريمة الأصلية، وصورة الاشتراك، ودور المتهم فيها؛ لأن وصف الجريمة الأصلية هو الذي يقود إلى العقوبة المقررة للشريك.

ثانيًا: ما الجرائم التي يشملها حكم المشاركة؟

أحالت المادتان الثالثة والثامنة والخمسون إلى الأفعال الواردة في الفقرات من (1) إلى (5) من المادة الثالثة. وتشمل هذه الإحالة -بحسب تفصيل النص- الفئات الآتية:

الفقرة الفئة الجرمية التي قد تقع فيها المشاركة
المادة 3/1 تهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو تلقيها من المهربين.
المادة 3/2 الأفعال غير المشروعة المتعلقة بالجلب والاستيراد والتصدير والإنتاج والصنع والحيازة والإحراز والبيع والشراء والتوزيع والتسليم والتسلم والنقل والتعاطي والوساطة والتمويل وغيرها مما عدده النص.
المادة 3/3 الأفعال غير المشروعة المتصلة بالنباتات المدرجة في الجدول رقم (4)، في جميع أطوار نموها وبذورها.
المادة 3/4 صنع المعدات أو المواد أو بيعها أو نقلها أو توزيعها بقصد استخدامها في الزراعة أو الإنتاج أو الصنع غير المشروع.
المادة 3/5 غسل الأموال المتحصلة من ارتكاب أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في النظام.

وتحديد رقم الفقرة ليس أمرًا شكليًا؛ لأن الأفعال المحال إليها تختلف في طبيعتها وعقوباتها. فقد تكون المشاركة متصلة بالتهريب، أو بفعل من أفعال الاتجار أو الترويج، أو بالحيازة لغرض معين، أو بعمل يخدم الزراعة أو التصنيع غير المشروع، أو بغسل المتحصلات الناتجة عن الجريمة.

ثالثًا: المشاركة بطريق الاتفاق

الاتفاق هو الصورة الأولى التي ذكرها النظام. وفي التطبيق العملي، يتطلب إسناد هذه الصورة بيان ما يدل على التقاء إرادة المتهم مع غيره على ارتكاب الفعل الجرمي المحدد. فلا يكفي وصف العلاقة بين الأشخاص أو إثبات معرفتهم بعضهم ببعض، ما لم تكشف الأدلة عن ارتباط تلك العلاقة بالفعل محل الاتهام.

وقد يستدل على الاتفاق من اتصالات أو مراسلات أو توزيع أدوار أو ترتيبات مالية أو سلوك مترابط، بحسب وقائع الدعوى. غير أن قيمة كل دليل لا تقاس بوجوده منفردًا، وإنما بمدى دلالته على اتفاق يتعلق بالجريمة ذاتها، لا بمعاملة أخرى مشروعة أو علاقة لا صلة لها بالفعل.

رابعًا: المشاركة بطريق التحريض

التحريض هو الصورة الثانية الواردة في النص، ويقوم الاتهام فيها على إسناد فعل دفع أو حث إلى المتهم اتجه إلى ارتكاب الجريمة الأصلية. ولذلك ينبغي بيان مضمون السلوك المنسوب إليه، والشخص الذي وُجه إليه، والجريمة التي انصب عليها، ومدى اتصال ذلك السلوك بما وقع فعلًا.

ولا يكفي إطلاق وصف «المحرّض» من دون تحديد العبارة أو التصرف أو التوجيه الذي تستند إليه الدعوى. كما تبرز أهمية هذا الوصف في المادة الحادية والستين؛ إذ استبعد النظام المحرّض من الإعفاء المقرر لمن يبادر من الجناة بالإبلاغ عن الجريمة وفق الشروط الواردة فيها.

خامسًا: المشاركة بطريق المساعدة

المساعدة هي الصورة الثالثة للمشاركة، وقد تتخذ في الواقع صورًا متعددة بحسب طبيعة الجريمة الأصلية والدور الذي نسب إلى المتهم. والعبرة ليست باسم الفعل أو بساطة مظهره، وإنما بثبوت أنه قدم عونًا متصلًا بارتكاب إحدى الجرائم المشمولة بالنص.

ومن ثم يلزم تحديد فعل المساعدة نفسه: ما الذي قدمه المتهم؟ ولمن قدمه؟ وكيف ارتبط بالجريمة؟ وهل تكشف الأدلة عن إدراكه لطبيعة الفعل الذي أعان عليه؟ فخدمة عادية أو تصرف محتمل لأكثر من تفسير لا يتحول إلى مشاركة بمجرد وقوع الجريمة من شخص آخر، ما لم تثبت الصلة اللازمة بالفعل الجرمي.

سادسًا: هل يعاقب الشريك بعقوبة أخف من الفاعل؟

الأصل الذي قررته المادة الثامنة والخمسون هو معاقبة الشريك بالعقوبة المقررة على الجريمة نفسها. ومن ثم لا يضع النص لمجرد وصف الشخص بأنه شريك عقوبة مستقلة أخف من العقوبة المقررة للجريمة التي شارك فيها.

لكن هذا لا يعني أن جميع المتهمين يجب أن تصدر بحقهم أحكام متطابقة في كل جزئية؛ فالمحكمة تنظر في ثبوت الفعل، ووصف الجريمة الأصلية، وظروف كل متهم، وما يتيحه النظام من أسباب للتشديد أو النزول عن الحد الأدنى أو وقف التنفيذ في نطاق المواد والشروط التي قررها. أما قاعدة المادة الثامنة والخمسين، فمحلها العقوبة المقررة للجريمة التي ثبتت المشاركة فيها.

مثال توضيحي:
إذا ثبت أن شخصًا ساعد آخر في فعل يدخل في جريمة معاقب عليها بموجب النظام، فإن نقطة البداية ليست البحث عن «عقوبة المساعدة» بمعزل عن الواقعة، بل تحديد الجريمة الأصلية التي انصبت عليها المساعدة؛ لأن المادة الثامنة والخمسين تربط عقوبة الشريك بعقوبة تلك الجريمة.

سابعًا: ما الفرق بين الاشتراك والشروع؟

الاشتراك يتعلق بدور شخص في فعل جرمي ينفذه غيره أو ينفذونه معًا بإحدى الصور الثلاث: الاتفاق أو التحريض أو المساعدة. أما الشروع فيتعلق بالبدء في تنفيذ الفعل الجرمي وعدم تمامه، وقد أفرد النظام له الفقرة السابعة من المادة الثالثة، ثم نظم عقوبته في المادة التاسعة والخمسين.

ولهذا ينبغي ألا تستخدم العبارتان على أنهما مترادفتان. فقد يدور الاتهام حول مشاركة في جريمة تامة، وقد يتعلق بشروع في جريمة، وقد تتداخل الأدوار في واقعة واحدة، لكن كل وصف يحتاج إلى بيان أساسه وعناصره والعقوبة المرتبطة به.

ثامنًا: هل مجرد الوجود أو المعرفة يكفي لإثبات المشاركة؟

النص يعاقب من «شارك» بطريق الاتفاق أو التحريض أو المساعدة. وبناءً على هذا التحديد، ينبغي أن يثبت في حق المتهم سلوك يندرج تحت إحدى هذه الصور ويرتبط بالفعل الأصلي. أما مجرد وجوده في المكان، أو علاقته الاجتماعية بأحد المتهمين، أو ملكيته لوسيلة استعملها الغير، فليست بذاتها وصفًا من صور المشاركة ما لم تقترن بأدلة تثبت دوره وصلته بالجريمة.

وهذا لا يعني استبعاد القرائن؛ فقد تبنى النتيجة على مجموعة قرائن مترابطة. لكن يلزم أن تقود هذه القرائن إلى الدور المنسوب إلى المتهم، وأن تناقش التفسيرات البديلة التي قد تكشف عنها ظروف الدعوى، خصوصًا حين يكون الفعل الظاهر مشروعًا في أصله وقابلًا لاستعمالات متعددة.

تاسعًا: ما أهم نقاط فحص اتهام الاشتراك؟

  1. تحديد الجريمة الأصلية ورقم الفقرة المنطبقة من المادة الثالثة.
  2. تحديد صورة المشاركة: اتفاق أم تحريض أم مساعدة.
  3. تعيين السلوك المادي المنسوب إلى المتهم، بعيدًا عن الأوصاف العامة.
  4. فحص صلة السلوك بالجريمة الأصلية وتوقيته والغاية منه.
  5. تحليل الاتصالات والمراسلات والتحويلات وغيرها في سياقها الكامل.
  6. مناقشة ما إذا كانت الأدلة تثبت العلم بطبيعة الفعل الذي تمت المشاركة فيه.
  7. التحقق من الوصف والعقوبة المقررة للجريمة الأصلية؛ لأنها أساس عقوبة الشريك.

وهذه النقاط لا تمثل قائمة شكلية، بل تكشف ما إذا كانت الدعوى قد أثبتت مشاركة محددة أم اكتفت بإحاطة المتهم بالفعل بسبب علاقة أو اتصال لا يكفي وحده لإسناد المسؤولية.

عاشرًا: هل يمكن أن يستفيد الشريك من الإعفاء عند الإبلاغ؟

قررت المادة الحادية والستون إعفاء من يبادر من الجناة -ما لم يكن محرّضًا على الجريمة- بإبلاغ السلطات العامة عنها قبل علمها بها. فإذا حصل البلاغ بعد علم السلطات، اشترط النص أن يؤدي البلاغ إلى ضبط باقي الجناة ما دام ذلك ممكنًا.

ويستفاد من ذلك أن وصف دور المبلّغ يظل جوهريًا؛ لأن المحرّض مستثنى صراحة من الإعفاء. كما أن توقيت البلاغ ونتيجته عنصران حاسمان في تحديد انطباق الحكم، وقد نصت المادة الثامنة والثلاثون من اللائحة على صدور الإعفاء بقرار مسبب من رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام، وفق التسمية الواردة في النص.

ونخلص مما سبق إلى أن…

المشاركة في جرائم المخدرات ليست وصفًا ثانويًا محدود الأثر؛ لأن النظام جعل الاتفاق والتحريض والمساعدة صورًا للتجريم، ثم ساوى الشريك -من حيث العقوبة المقررة- بمرتكب الجريمة التي شارك فيها. ولذلك قد يتحمل الشخص مسؤولية الجريمة نفسها ولو لم تضبط المادة في يده، متى ثبت دوره بإحدى الصور التي حددها النظام.

وفي المقابل، لا يكفي مجرد الاشتباه الناتج عن الصلة أو الاتصال أو الوجود. فلا بد من تحديد الفعل الأصلي، وصورة المشاركة، والسلوك المنسوب إلى المتهم، والدليل على اتصاله بالجريمة. ومن هذه العناصر يتحدد ما إذا كانت الواقعة اشتراكًا معاقبًا عليه أم صلة عارضة لا تنهض وحدها لإثبات المسؤولية.

هل نُسب إليك الاشتراك في قضية مخدرات؟

تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية دراسة الجريمة الأصلية، وتحليل صورة الاشتراك والأدلة والقرائن المنسوبة إلى كل متهم، وإعداد الدفاع والاعتراض وفق ظروف الملف ومستنداته.

هذا المقال للتوعية القانونية العامة، ولا يعد استشارة قانونية لحالة بعينها؛ إذ يتوقف التكييف والنتيجة على وقائع القضية ووصف الجريمة والأدلة المتعلقة بدور كل متهم.
ضمن سلسلة نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية:
العودة إلى الدليل الشامل ومقالات السلسلة
المقال التالي: الشروع في جرائم المخدرات وعقوبته وفق المادة التاسعة والخمسين.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى