المخالفات والعقوبات في نظام الإفلاس السعودي
سلسلة فهم نظام الإفلاس السعودي · المقال الثالث والعشرون
المخالفات والعقوبات في نظام الإفلاس السعودي
مسؤولية المدين والإدارة والدائنين، وحدود العقوبات، واسترداد الأصول والتعويض.
يتيح نظام الإفلاس معالجة التعثر وتنظيم حقوق الدائنين، وفي الوقت نفسه يجرّم أفعالاً تضر بتلك الحقوق أو تستغل الإجراءات على نحو غير مشروع. ولا تقوم المسؤولية لمجرد وقوع خسارة أو افتتاح إجراء إفلاس؛ بل يلزم تحديد الفعل المنسوب إلى صاحبه، والتحقق من شروط النص الذي يجرّمه، وصلته بالإجراء والضرر المترتب عليه.
من تشملهم أحكام المسؤولية؟
تناولت المادة المائتان المدين ذي الصفة الطبيعية، والمدير لدى المدين، وأعضاء مجلس إدارته أو مجلس مديريه ومسؤوليه، ومن شارك في تأسيسه أو إدارته أو من في حكمهم. ولا تعني هذه الصفات وحدها ثبوت المخالفة؛ وإنما تتصل المسؤولية بارتكاب الفعل الذي حدده النص واستيفاء شروطه.
وجاءت المادة الأولى بعد المائتين بصيغة تشمل كل من ارتكب الأفعال الواردة فيها، بينما خصت المادة الثانية بعد المائتين الدائن أو من يدعي هذه الصفة بأفعال محددة. فالحماية النظامية لا تتجه إلى مراقبة المدين وحده، بل تشمل سلامة تصرفات الأطراف المؤثرة في الإجراء.
ما صلة الفعل بافتتاح الإجراء والضرر؟
ربطت المواد (200–202) تطبيقها بارتكاب الفعل قبل افتتاح إجراء الإفلاس وأدائه إلى افتتاحه، أو ارتكابه أثناء سريان الإجراء، مع ترتب إضرار بحقوق أي من الأطراف بمن فيهم الدائنون. ولذلك يجب فحص تاريخ الفعل ونتيجته والضرر، إلى جانب العناصر الخاصة بكل فعل.
عند دراسة المسؤولية: لا يكفي إثبات صفة الشخص أو وجود خسارة. يلزم تعيين التصرف المنسوب إليه، ودليله، وزمنه، وصلته بافتتاح الإجراء أو سريانه، والضرر الناتج عنه، وما يشترطه النص من قصد أو علم أو غير ذلك.
ما الأفعال المرتبطة بإدارة النشاط والأصول؟
تشمل المادة المائتان إساءة التصرف في أصول المدين أو التفليسة أو احتجازها، وإساءة استعمال الصلاحيات، وممارسة النشاط بقصد الاحتيال على الدائنين، والاستمرار في النشاط مع انتفاء إمكانية تجنب التصفية.
وتشمل أيضاً استخدام أساليب تنطوي على استهتار لتفادي التصفية أو تأخيرها بما يضر بحقوق الدائنين، ومنها بيع السلع بأقل من سعر السوق للحصول على السيولة، وإبرام صفقات دون مقابل أو بمقابل غير عادل، وسداد ديون بعض الدائنين بما يضر بآخرين، وإساءة استغلال إجراءات الإفلاس.
ولا يفصل أي مثال عن سياقه النظامي؛ فبيع سلعة بأقل من سعر السوق لا يوصف وحده بأنه الجريمة المقصودة دون بحث الأسلوب والغرض والضرر وبقية الشروط. وكذلك تراجع ظروف استمرار النشاط بدلاً من الحكم عليه بأثر رجعي اعتماداً على نتيجة التصفية وحدها.
ما الأفعال المتعلقة بالدفاتر والمعلومات؟
تناولت المادة الأولى بعد المائتين اختلاس الأصول أو إخفاءها، وإخفاء دفاتر المدين أو إتلافها أو تغييرها، والتفريط في حفظها أو حفظها ببيانات ناقصة أو غير منتظمة، مع مراعاة المعايير المعتمدة لإدارة الحسابات وحفظها.
كما شملت الحسابات الوهمية، وعدم الاحتفاظ بالحسابات وفق المعايير المعتمدة أو إزالة مستنداتها، والتصرف الاحتيالي لزيادة الالتزامات أو خفض قيمة الأصول. وجرّمت تقديم معلومات مضللة أو غير صحيحة إلى الأمين أو المحكمة أو لجنة الإفلاس، أو الامتناع عن تقديم معلومات مؤثرة فور طلبها.
ويمتد النص إلى رهن الأصول أو التصرف فيها أو سداد الديون بالمخالفة للنظام أو لحكم قضائي، وتسوية حقوق الدائنين أو التصرف في الأصول بالمخالفة للخطة، واستغلال الصلاحيات لأغراض خاصة أو الحصول على منفعة غير مشروعة. واستثنى النص من صورة مخالفة الخطة إبراء الدائن للمدين جزئياً أو كلياً.
متى يسأل الدائن عن تصرفاته؟
حددت المادة الثانية بعد المائتين أفعالاً للدائن أو من يدعي صفته، تشمل تقديم مطالبة بقصد الاحتيال، بما في ذلك المبالغة في قيمتها، والاتفاق مع المدين على ترتيبات يعلم أنها تضر بمصالح الدائنين الآخرين أو تفضله عليهم، وإساءة استغلال إجراءات الإفلاس.
ومن ثم، لا يعد كل اختلاف في تقدير المطالبة احتيالاً؛ إذ نصت هذه الصورة على قصد الاحتيال. وفي المقابل، فإن استعمال صفة الدائن لا يحمي المطالبة المصطنعة أو الاتفاق الضار إذا ثبتت عناصر الفعل وشروطه.
ما العقوبات المقررة للأفعال المجرّمة؟
قررت المادة الثالثة بعد المائتين، دون إخلال بعقوبة أشد في نظام آخر، معاقبة مرتكب الأفعال المجرّمة في المواد (200–202) بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
السجن: مدة لا تزيد على خمس سنوات.
الغرامة: مبلغ لا يزيد على خمسة ملايين ريال.
طريقة الإيقاع: العقوبتان معاً أو إحداهما، وفق الحكم، مع مراعاة العقوبة الأشد في الأنظمة الأخرى وحكم العود.
وهذه حدود قصوى في النص، وليست عقوبة ثابتة توقع كاملة على كل واقعة. ويظل إيقاع العقوبة متوقفاً على ثبوت الفعل والفصل القضائي فيه.
هل توجد عقوبات إضافية على الإدارة والملكية؟
للمحكمة إضافة إلى العقوبات السابقة أن تحكم، لمدة لا تزيد على خمس سنوات، بواحدة أو أكثر من العقوبات الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة بعد المائتين. وتشمل حظر إدارة منشأة ربحية أو تسيير أعمالها مباشرة أو بطريق غير مباشر، وحظر المشاركة التي تستتبع الملكية فيها الإدارة فعلاً أو حكماً.
وتشمل كذلك حظر التصويت على القرارات المتعلقة بالترشيح أو الترشح أو اختيار مرشح في منشأة ربحية، وحظر تملك الحصص أو الأسهم إذا ترتب عليه القيام بالإدارة مباشرة أو بطريق غير مباشر. فلا يصاغ الحكم الأخير باعتباره حظراً مطلقاً لكل تملك دون مراعاة قيده.
ويجوز لمن عوقب بهذه العقوبات الإضافية طلب موافقة المحكمة على ممارسة عمل محظور عليه. وتنشئ لجنة الإفلاس سجلاً للأحكام الصادرة بهذه العقوبات، ويكون منطوق الحكم متاحاً للعموم وفق اللائحة، عملاً بالمادة الرابعة بعد المائتين.
هل يجوز الجمع بين العقوبة واسترداد المال أو التعويض؟
أجازت المادة الخامسة بعد المائتين للمحكمة، عند النظر في إيقاع عقوبات المادة الثالثة بعد المائتين وبناءً على طلب ذي مصلحة، الحكم ببطلان التصرف أو أثره، أو استرداد أصول المدين والحقوق المرتبطة بها، أو التعويض.
ولهذا ينبغي لمن يطلب استرداد المال أو التعويض تحديد طلبه وأساسه ومستنداته. ولا يغني طلب العقوبة وحده عن بيان الحقوق المالية المطلوب الحكم بها، كما لا تفترض قيمة التعويض دون إثبات الضرر وصلته بالفعل.
ما عقوبة مخالفة أحكام النظام واللائحة؟
نصت المادة السابعة بعد المائتين، دون إخلال بالمادة الثالثة بعد المائتين، على غرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال لمن يخالف أحكام النظام واللائحة. ويجب التمييز بين هذا الحكم وبين العقوبات المقررة للأفعال المجرّمة المحددة في المواد (200–202).
من يحقق في الأفعال ويوقع العقوبات؟
تختص النيابة العامة بالتحقيق والادعاء في الأفعال المجرّمة، وتتولى المحكمة إيقاع العقوبات وفق المادة الثامنة بعد المائتين. وإذا اشتبه الأمين في ارتكاب المدين أو أحد دائنيه فعلاً مجرّماً، وجب عليه التقدم إلى الجهة المعنية بموجب المادة السادسة بعد المائتين.
فدور الأمين في الإبلاغ عن الاشتباه لا يجعله جهة إدانة، وتظل الوقائع خاضعة للتحقيق والفصل لدى الجهات المختصة.
متى تضاعف العقوبة بسبب العود؟
قررت المادة التاسعة بعد المائتين مضاعفة العقوبات في حال العود. وعدت عائداً من ارتكب فعلاً مجرّماً أو مخالفة سبق الحكم عليه فيها بحكم نهائي، خلال ثلاث سنوات من تاريخ اكتمال تنفيذ العقوبة.
وبالتالي يراجع الحكم السابق ونهائيته وتاريخ اكتمال التنفيذ والفعل اللاحق. ولا يبدأ حساب السنوات الثلاث، وفق هذا النص، من مجرد تاريخ صدور الحكم السابق.
المقال التالي: الاعتراض على أحكام وقرارات الإفلاس: ما الذي يقبل الاعتراض وما مواعيده وآثاره؟
المصدر: نظام الإفلاس السعودي، المواد (200–209). يراعى عند تطبيق كل حكم نطاقه وشروطه، ولا تعد الأمثلة أو الأوصاف العامة حكماً بثبوت المسؤولية في واقعة معينة.




