التنفيذ

حجز الراتب وتنفيذ أحكام الحضانة والزيارة في نظام التنفيذ السعودي

هل يمكن حجز راتب المدين بالكامل؟

من أكثر المخاوف التي تظهر بمجرد بدء إجراءات التنفيذ أن يتصور المدين أن حجز الراتب يعني توقف دخله بالكامل، أو أن كل مبلغ يدخل إلى حسابه سيذهب مباشرة إلى طالب التنفيذ.

لكن تنظيم التنفيذ لا يتعامل مع الدخل الدوري بهذه الصورة المطلقة.

فإذا كان التنفيذ يقتضي الحجز على أموال المدين وبيعها، وكان السند التنفيذي يتضمن دفع أموال بصورة دورية، فإن التنفيذ يجري وفق ترتيبات الحجز التي حددتها اللائحة. وهذا يجعل من المهم التمييز بين مجرد وجود راتب أو دخل دوري، وبين المقدار الذي يخضع فعليًا للتنفيذ.

والفكرة العملية هنا بسيطة: وجود دين واجب التنفيذ لا يعني بالضرورة اقتطاع كل ما يتقاضاه المدين دون مراعاة طبيعة الدين والقواعد المنظمة للحجز.

ماذا يحدث عندما يكون الدين نفقة؟

للنفقة وضع مختلف.

فاللائحة تقرر أنه إذا كانت النفقة حالة الدفع، فإنها تُقدم على بقية الديون.

وهذه نقطة مهمة للغاية؛ لأن المدين قد تكون عليه مطالبات تنفيذية متعددة، بينما يكون أحدها متعلقًا بنفقة مستحقة. هنا لا تتعامل إجراءات التنفيذ مع جميع الديون باعتبارها في مرتبة واحدة، وإنما تكون للنفقة الأولوية التي قررتها اللائحة.

ومن الناحية العملية، فإن معرفة نوع الدين المنفذ من أجله تصبح ضرورية قبل الإجابة عن سؤال: كم سيُحجز من دخل المدين؟ وأي الديون سيُقدم عند التنفيذ؟

وإذا كان المدين لا يملك حسابًا بنكيًا؟

عدم وجود حساب مصرفي باسم المدين لا يعني أن إجراءات التنفيذ وصلت إلى طريق مسدود.

فاللائحة عالجت حالة عدم وجود حساب بنكي للمنفذ ضده مع وجود أموال له لدى جهة أو شخص، وأجازت توجيه الأمر إلى تلك الجهة أو الشخص الذي لديه أموال المدين، بالحجز عليها بمقدار المبلغ المستحق وإيداعها في حساب طالب التنفيذ.

إذن العبرة ليست بشكل المال أو مكان وجوده فقط، وإنما بوجود مال مستحق للمدين يمكن أن يمتد إليه التنفيذ وفق إجراءاته النظامية.

وهذا يفسر لماذا قد يمتد التنفيذ إلى مستحقات دورية أو مبالغ موجودة لدى الغير، وليس فقط إلى الرصيد الموجود لحظة الحجز في حساب مصرفي.

ماذا عن الدخل الدوري الذي لا يُحفظ لدى جهة معينة؟

هنا تظهر حالة مختلفة.

فإذا كان للمنفذ ضده كسب معتاد أو أموال لا تُحفظ لدى جهة أو شخص، فإن اللائحة تلزمه بإقرار يوضح مقدار مستحقاته الدورية ووقت حلولها، وإيداعها في حساب طالب التنفيذ، مع فهمه بالعقوبات المقررة عند مخالفة ذلك.

وبالتالي لا ينبغي النظر إلى التنفيذ على أنه عملية بحث عن الحسابات البنكية فحسب؛ فقد يكون محل التنفيذ دخلاً دوريًا أو حقًا ماليًا مستقبلاً يخضع للترتيبات التي قررتها اللائحة.

وهذه النقطة ترتبط بموضوعنا السابق عن [حجز ما للمدين لدى الغير]، ويمكن وضع رابط داخلي عليه من هذه العبارة.

هل التنفيذ في قضايا الحضانة والزيارة يختلف عن تنفيذ الديون؟

نعم، وهنا ننتقل إلى جانب مختلف تمامًا من التنفيذ.

فالأحكام المتعلقة بالحضانة والزيارة والتفريق بين الزوجين ليست أحكامًا مالية يمكن تنفيذها بمجرد الحجز على حساب أو نقل مبلغ مالي.

ولهذا أعطى النظام لهذه الأحكام آلية تنفيذ تتناسب مع طبيعتها.

فالأصل أن الحكم يُنفذ، وإذا استلزم الأمر جاز الاستعانة بالقوة المختصة لتنفيذه، بل إن التنظيم أجاز دخول المنازل متى اقتضى تنفيذ الحكم ذلك وفق الضوابط المقررة.

وهنا تظهر الطبيعة الخاصة للتنفيذ الأسري: الغاية ليست الضغط المالي، وإنما إيصال الحكم القضائي إلى نتيجته العملية.

هل مجرد رفض تسليم الطفل يوقف التنفيذ؟

لا.

فامتناع أحد الأطراف عن الحضور أو رفضه إعادة المحضون لا يؤدي بذاته إلى سقوط الحكم أو تعطيل تنفيذه.

وقد أعطت اللائحة للدائرة، بحسب الحالة، إجراءات يمكن اتخاذها عند امتناع أحد الوالدين أو غيرهما عن التنفيذ، أو الامتناع عن الحضور، أو إخفاء المحضون أو المزور، ومن بينها المنع من السفر، والأمر بالحبس، ومنع الجهات الحكومية والمنشآت المالية من التعامل معه.

وهذا يوضح أن حكم الحضانة أو الزيارة ليس مجرد توجيه قابل للتجاهل؛ بل هو حكم قضائي تترتب على مقاومة تنفيذه إجراءات نظامية.

أين تتم زيارة الطفل؟

قد يعتقد البعض أن تنفيذ حكم الزيارة يعني بالضرورة أن تتم الزيارة داخل المحكمة أو في مكان جامد تحدده إجراءات التنفيذ.

وهذا غير دقيق.

فاللائحة تقرر أن قاضي التنفيذ يحدد طريقة تنفيذ الحكم الصادر بزيارة الصغير بما لا يضر بالمحكوم عليه، ويجري تسليم الصغير في مكان مهيأ ومناسب لهذا النوع من التنفيذ.

كما حددت اللائحة ترتيبًا للأماكن التي يمكن أن يتم فيها التسليم، ومن ذلك مقر إقامة المزور أو طالب التنفيذ بحسب الأحوال، أو مكان إقامة أحد أقاربه، وعند تعذر ذلك يمكن أن يكون التنفيذ في الجهات الاجتماعية الحكومية أو المؤسسات والجمعيات الخيرية المرخص لها، أو غيرها من الأماكن التي تراها الدائرة وتتوفر فيها البيئة المناسبة.

إذن المعيار ليس مجرد تحديد مكان، وإنما الوصول إلى بيئة مناسبة لتنفيذ الزيارة.

هل تنتهي صلاحية طلب تنفيذ الحضانة أو الزيارة؟

هذه من النقاط التي تستحق الانتباه.

فقد قررت اللائحة أن طلب تنفيذ الأحكام الصادرة في الحضانة والزيارة ينتهي بمضي ستين يومًا من آخر إجراء اتخذته الدائرة.

فإذا أراد أحد الأطراف بعد انقضاء هذه المدة تنفيذ الطلب ذاته، فإنه يتقدم بطلب جديد يُحال إلى الدائرة نفسها.

وهذه مسألة إجرائية قد يغفل عنها صاحب الحكم عندما يتوقف عن متابعة ملف التنفيذ مدة طويلة.

الخلاصة: التنفيذ لا يسير بطريقة واحدة

قد يجتمع تحت مسمى «التنفيذ» عدد كبير من الإجراءات، لكن الوسيلة تختلف باختلاف الحق المطلوب تنفيذه.

ففي حجز الراتب والدخل الدوري يكون التركيز على المال المستحق للمدين وترتيب الحجز والوفاء، وتكون للنفقة أولوية خاصة. أما في الحضانة والزيارة، فمحل التنفيذ ليس مبلغًا ماليًا، ولذلك تتغير أدوات التنفيذ وطريقته بما يتناسب مع طبيعة الحكم.

ولهذا فإن السؤال الصحيح قبل اتخاذ أي إجراء ليس فقط: هل لدي سند تنفيذي؟ وإنما أيضًا: ما طبيعة الحق الذي يتضمنه السند، وما الطريق الذي قرره نظام التنفيذ لتنفيذه؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى