المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

الأفعال المجرمة في نظام مكافحة المخدرات

الأفعال المجرّمة في نظام مكافحة المخدرات: المادة الثالثة

المادة الثالثة هي المدخل الأساسي لفهم جرائم المخدرات؛ فقد حددت الأفعال التي تعد جرائم، بينما تولت المواد اللاحقة بيان العقوبة بحسب طبيعة الفعل والقصد المرتبط به.

لا تقتصر جرائم المخدرات على البيع أو التعاطي. فقد أحاط نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بمراحل التعامل غير المشروع مع المادة منذ دخولها أو إنتاجها، مرورًا بحيازتها ونقلها وتسليمها، وانتهاءً ببيعها أو تعاطيها أو غسل الأموال الناتجة عنها.

كما لم يقصر النظام المسؤولية على من يباشر الفعل بنفسه، بل تناول من يتفق أو يحرض أو يساعد على ارتكابه، وقرر حكمًا للشروع في الجريمة قبل اكتمالها.

غير أن إدراج الفعل ضمن المادة الثالثة لا يكفي وحده لتحديد العقوبة؛ إذ يجب بعد ذلك معرفة وصفه الدقيق، والغرض من ارتكابه، والظروف المحيطة به، والمادة العقابية المنطبقة عليه.

أولًا: ماذا قررت المادة الثالثة؟

قررت المادة الثالثة أن الأفعال الواردة فيها تعد أفعالًا جرمية، ثم وزعتها على سبع فقرات تشمل التهريب وتلقي المواد من المهربين، وصور التعامل غير المشروع، وزراعة النباتات المحظورة، وصناعة المعدات المخصصة للإنتاج غير المشروع، وغسل الأموال، والمشاركة، والشروع.

وتؤدي المادة بذلك وظيفة تحديد دائرة التجريم، بينما تحدد المواد من السابعة والثلاثين إلى الحادية والأربعين العقوبات الأصلية بحسب الوصف والقصد، ثم تبين المواد اللاحقة العقوبات التكميلية والأحكام العامة.

الفقرة الفعل المجرّم المواد المرتبطة بالعقوبة
1 التهريب أو تلقي المواد من المهربين. المادة 37.
2 الجلب والاستيراد والتصدير والإنتاج والحيازة والبيع والنقل والتعاطي وغيرها. المواد 37 إلى 41 بحسب القصد.
3 زراعة النباتات المحظورة أو التعامل بها أو ببذورها. المواد 37 إلى 39 بحسب الواقعة.
4 صناعة أو بيع أو نقل معدات بقصد الإنتاج غير المشروع. تحدد وفق الوصف النظامي المنطبق.
5 غسل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات. المادة 40.
6 المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة. المادة 58.
7 الشروع في ارتكاب الأفعال المجرّمة. المادة 59.

ثانيًا: تهريب المواد المخدرة أو تلقيها من المهربين

بدأت المادة الثالثة بتهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية وتلقيها من المهربين، وهو ترتيب يتفق مع خطورة إدخال المواد المحظورة إلى المملكة أو تسلمها ممن قام بتهريبها.

وعرّفت المادة الأولى التهريب بأنه كل ما يعد تهريبًا وفقًا لما ينص عليه النظام الجمركي. أما الجلب فقد عرّفته بأنه إدخال المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية إلى المملكة.

ويجب عدم الخلط بين مجرد الجلب وبين التهريب في كل واقعة؛ لأن النظام وضع تعريفًا لكل منهما، ثم ربط بعض صور الجلب بقصد الترويج بأحكام المادة السابعة والثلاثين.

التكييف الصحيح:
لا يكفي القول إن المادة دخلت إلى المملكة، بل يجب تحديد كيفية دخولها، والفعل المنسوب إلى المتهم، والغرض من ذلك الفعل، وصلته بالمادة وبالمهرب.

ثالثًا: صور التعامل غير المشروع مع المواد المخدرة

جاءت الفقرة الثانية من المادة الثالثة واسعة؛ فشملت جلب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية، واستيرادها أو تصديرها أو إنتاجها أو صنعها أو استخلاصها أو تحويلها أو استخراجها.

كما شملت حيازتها أو إحرازها أو بيعها أو شراءها أو توزيعها أو تسليمها أو تسلمها أو نقلها، والمقايضة بها أو تعاطيها أو الوساطة فيها أو تسهيل تعاطيها أو إهداءها أو تمويلها أو التموين بها.

لكن النص استثنى الأحوال المشروعة التي نظمها النظام، ولذلك لا يكون مجرد التعامل مع دواء يحتوي على مادة خاضعة للرقابة جريمة متى تم في الحدود المرخص بها ووفق الشروط والإجراءات النظامية.

وتظهر أهمية القصد عند الانتقال من المادة الثالثة إلى مواد العقوبة؛ فقد يقع فعل الحيازة أو النقل بقصد الترويج، أو دون قصد الترويج أو التعاطي، أو بقصد الاستعمال الشخصي. ولكل صورة وصف وعقوبة مستقلة.

رابعًا: زراعة النباتات والبذور المحظورة

جرّمت الفقرة الثالثة زراعة النباتات المدرجة في الجدول رقم (4)، كما جرّمت جلب أي جزء منها أو تصديره أو تملكه أو حيازته أو إحرازه أو التصرف فيه في جميع أطوار نموه، وشمل الحكم بذور تلك النباتات.

ولم يقصر النظام وصف الزارع على من يضع البذور في الأرض؛ بل عدّ زارعًا كل من يقوم بعمل من الأعمال اللازمة لنمو البذور أو الشتلات، أو العناية بالزرع إلى حين نضجه وحصاده.

وبذلك يمكن أن تتصل المسؤولية بأكثر من مرحلة من مراحل الزراعة، بشرط ثبوت الفعل المنسوب إلى الشخص واتصاله بالنباتات أو البذور المدرجة في الجدول.

خامسًا: صناعة المعدات والمواد المخصصة للإنتاج غير المشروع

جرّمت الفقرة الرابعة صناعة المعدات أو المواد أو بيعها أو نقلها أو توزيعها بقصد استخدامها في زراعة المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو إنتاجها أو صنعها بصورة غير مشروعة.

والقصد هنا عنصر ظاهر في صياغة النص؛ فليست كل أداة أو مادة يمكن استخدامها في التصنيع محلًا للتجريم تلقائيًا، وإنما يرتبط الحكم بثبوت قصد استخدامها في النشاط غير المشروع المحدد في المادة.

ومن ثم يجب التحقق من طبيعة المعدات، وطريقة الحصول عليها، ومكان ضبطها، وعلاقتها ببقية المضبوطات، والقرائن التي تكشف عن الغرض من صنعها أو نقلها أو بيعها.

سادسًا: غسل الأموال الناتجة عن جرائم المخدرات

أدرجت الفقرة الخامسة غسل الأموال المحصلة نتيجة ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في النظام ضمن الأفعال الجرمية.

وعرّفت المادة الأولى غسل الأموال في نطاق النظام بما يشمل اكتساب الأموال أو الحقوق أو الممتلكات الناتجة عن الجريمة، أو نقلها أو إخفاء حقيقتها أو مصدرها أو مكانها أو حركتها أو ملكيتها، أو المساهمة في تلك الأعمال بقصد إخفاء المصدر غير المشروع أو مساعدة مرتكب الجريمة على الإفلات من العقاب.

وعالجت المادة الأربعون عقوبة هذا الفعل، كما تناولت مسؤولية الشركة أو المؤسسة أو المنشأة إذا أدين مديرها أو أحد منسوبيها بارتكابه وثبت أنه ارتكب لمصلحتها.

سابعًا: المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة

لم يحصر النظام المسؤولية في الفاعل المباشر، بل عدّ المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة في ارتكاب الأفعال المحددة في الفقرات الخمس الأولى فعلًا جرميًا.

وقررت المادة الثامنة والخمسون معاقبة المشارك بالعقوبة المقررة للجريمة نفسها، سواء كانت المشاركة عن طريق الاتفاق أم التحريض أم المساعدة.

لكن مجرد المعرفة بشخص متهم أو الوجود في مكان الواقعة لا يثبت بذاته المشاركة. بل يلزم تحديد صورة المشاركة المنسوبة إلى الشخص، والفعل الذي صدر منه، ومدى اتصاله بالجريمة الأصلية.

ثامنًا: الشروع في جريمة المخدرات

عدّت الفقرة السابعة الشروع في ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في المادة الثالثة فعلًا جرميًا، ثم حددت المادة التاسعة والخمسون العقوبة المقررة للشروع.

ويختلف الشروع عن مجرد التفكير أو النية غير المصحوبة بفعل؛ فدراسة الشروع تبدأ من تحديد ما إذا كان المتهم قد بدأ في تنفيذ الفعل الجرمي، ثم توقف التنفيذ أو خاب أثره قبل اكتمال الجريمة.

كما يجب الفصل بين الشروع والجريمة التامة؛ لأن مقدار العقوبة وطريقة تطبيق النص يختلفان بحسب اكتمال الفعل والوصف الجرمي المنطبق عليه.

تاسعًا: لماذا لا تكفي المادة الثالثة وحدها لتحديد العقوبة؟

المادة الثالثة تحدد الأفعال التي تدخل في دائرة التجريم، لكنها لا تضع عقوبة واحدة لجميع هذه الأفعال. ولهذا يجب ربطها بالمادة العقابية المناسبة.

الوصف العنصر الفاصل المادة
التهريب وتلقي المواد من المهربين طبيعة الفعل وصلته بالتهريب. 37
الحيازة بقصد الاتجار أو الترويج ثبوت قصد الاتجار أو الترويج. 38
الحيازة المجردة انتفاء قصد الاتجار والترويج والتعاطي. 39
التعاطي أو الاستعمال الشخصي ثبوت قصد التعاطي أو الاستعمال الشخصي. 41
الخلاصة النظامية:
الفعل المادي يحدد نقطة البداية، لكن القصد والظروف والأدلة هي التي تقود إلى الوصف العقابي المنطبق.

عاشرًا: كيف تدرس الواقعة في ضوء المادة الثالثة؟

  1. تحديد المادة المضبوطة ونتيجة تحليلها المخبري.
  2. تحديد الفعل المنسوب إلى كل متهم بصورة مستقلة.
  3. بيان الفقرة المنطبقة من المادة الثالثة.
  4. التحقق من وجود ترخيص أو سبب مشروع للتعامل بالمادة.
  5. تحديد القصد الذي قامت عليه الواقعة.
  6. التمييز بين الفاعل المباشر والمشارك والمتهم بالشروع.
  7. ربط الفعل بالمادة العقابية الصحيحة.
  8. فحص الظروف المشددة والعقوبات التكميلية المحتملة.

ونخلص مما سبق إلى أن…

المادة الثالثة رسمت النطاق العام للأفعال المجرّمة في نظام مكافحة المخدرات، وامتد حكمها من التهريب والتلقي والجلب والإنتاج إلى الحيازة والنقل والبيع والتعاطي والوساطة والتمويل.

كما شملت زراعة النباتات المحظورة، وصناعة المعدات المخصصة للإنتاج غير المشروع، وغسل الأموال، والمشاركة، والشروع.

غير أن سلامة التكييف تقتضي ألا يتوقف النظر عند اسم الفعل، بل يجب تحديد حقيقته والغرض منه والأدلة التي تثبته، ثم ربطه بمادة العقوبة الصحيحة. ومن هنا تظهر الفروق الجوهرية بين التهريب والترويج والحيازة والتعاطي.

المقال السابق:
تعريف المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية
المقال التالي:
الفرق بين الجلب والتهريب والترويج والحيازة في قضايا المخدرات

دراسة قانونية متخصصة لقضايا المخدرات

تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية
دراسة محاضر الضبط والتقارير المخبرية وأدلة الاتهام، وتحديد الوصف النظامي وإعداد الدفاع والاعتراضات القضائية.

تنبيه: هذا المقال للتثقيف والتوعية القانونية العامة، ولا يعد استشارة قانونية لحالة معينة؛ إذ يتحدد الوصف النظامي بحسب وقائع القضية وأدلتها والتقارير الفنية المتعلقة بها.


ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى