المكتبة القانونيةنظام الإجراءات الجزائية

متى يُوقف المتهم وجوبيًا وفق النظام السعودي؟

ما المقصود بالجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؟

سلسلة التوقيف • الجزء الثاني

الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف في النظام السعودي

ما المقصود بها؟ ومن يحددها؟ وكيف تعرف ما إذا كانت الجريمة المنسوبة إلى المتهم تدخل ضمنها؟

ليست كل جريمة من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف

بعد أن تناولنا في المقال السابق مفهوم التوقيف وضوابطه ومدده، ننتقل إلى سؤال أكثر تحديدًا: ما الجرائم التي تعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف في السعودية؟

أهمية هذا السؤال تظهر منذ مرحلة التحقيق؛ لأن وصف الجريمة بأنها من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف ليس وصفًا يقرره رجل الضبط أو المحقق من تلقاء نفسه، وإنما يخضع للتحديد الصادر من الجهة المختصة وفق المادة (112) من نظام الإجراءات الجزائية.

أولًا: من يحدد الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؟

قررت المادة (112) من نظام الإجراءات الجزائية أن تحديد الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف يكون بقرار من النائب العام، بعد الاتفاق مع وزارة الداخلية ورئاسة أمن الدولة، على أن ينشر التحديد في الجريدة الرسمية.

وبالتالي فإن وصف الجريمة بأنها «كبيرة» لا يترك للتقدير الشخصي، وإنما يرجع فيه إلى القرار الصادر تنفيذًا للمادة (112)، وإلى مدى انطباق شروط ذلك القرار على الواقعة محل التحقيق.

قاعدة أساسية
العبرة ليست بخطورة الجريمة في الانطباع العام، وإنما بانطباق الوصف والشروط المحددة في القرار المنظم للجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف.

ثانيًا: الاعتداء العمد على النفس وما دونها

يدخل ضمن الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف الاعتداء العمد الذي يترتب عليه زوال عضو، أو تعطيل منفعة، أو أن تزيد مدة الشفاء الناتجة عن الاعتداء على واحد وعشرين يومًا.

وتظهر هنا أهمية التقرير الطبي؛ فليس كل اعتداء أو مشاجرة تدخل في هذا الوصف، وإنما يجب التحقق من طبيعة الإصابة ونتيجتها ومدى تحقق الشرط الذي حدده القرار.

ثالثًا: الاعتداء عمدًا على أحد الوالدين

أفرد قرار الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف الاعتداء العمد على أحد الوالدين بحكم مستقل، بالنظر إلى صفة المجني عليه وطبيعة الاعتداء.

ومن ثم لا يقاس هذا الوصف على كل نزاع عائلي أو خلاف داخل الأسرة، وإنما يجب أن تكون الواقعة منطبقة على الوصف المحدد في القرار.

رابعًا: الاحتيال المالي متى تجاوز الحد المحدد

من الحالات التي تناولها القرار الاحتيال المالي إذا زاد مجموع المال محل الجريمة على (20,000 ريال)، مع مراعاة الأحكام المرتبطة بانتهاء الحق الخاص متى كان لها أثر وفق القرار.

وهذا يوضح أن قيمة المال ليست مجرد تفصيل جانبي، وإنما قد تكون عنصرًا مؤثرًا في تحديد ما إذا كانت الواقعة تدخل ضمن الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف.

ملاحظة مهمة

لا يكفي وصف الواقعة بأنها «احتيال»؛ بل يجب التحقق من قيمة المال، وظروف الجريمة، وأي شروط أخرى رتب عليها القرار أثرًا في التوقيف.

خامسًا: الاعتداء العمد على الأموال والممتلكات

يدخل ضمن القرار بعض صور الاعتداء العمد على الأموال أو الممتلكات متى تجاوزت قيمة التلف (20,000 ريال)، وفق الشروط والاستثناءات التي يتضمنها القرار.

ومن المهم في هذه الحالات التحقق من قيمة الضرر المثبتة، وطبيعة الفعل، وما إذا كان قد حصل سداد أو تنازل عن الحق الخاص متى كان لذلك أثر في الوصف النظامي.

سادسًا: بعض صور السرقة والنهب

لم يجعل القرار كل واقعة سرقة في مرتبة واحدة، وإنما شمل صورًا محددة، من بينها السرقة غير الحدية التي ترتكب بواسطة تشكيل عصابي، والنهب، وسرقة السيارات.

ولهذا فإن التكييف الدقيق لواقعة السرقة وظروف ارتكابها يسبق الحكم على كونها من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف.

سابعًا: دخول المنازل بقصد الاعتداء

تضمن القرار بعض صور انتهاك حرمة المنازل والدخول إليها بقصد الاعتداء على النفس أو العرض أو المال.

وعليه، فليس كل دخول غير مأذون به إلى منزل الغير من الجرائم الكبيرة تلقائيًا، وإنما يجب التحقق من الغرض من الدخول والوقائع المصاحبة له ومدى مطابقتها للوصف المحدد.

ثامنًا: الاعتداء على رجال الأمن وبعض صور إطلاق النار

من الحالات التي تناولها القرار الاعتداء على رجل الأمن أثناء مباشرته مهام وظيفته، كما شمل صورًا محددة من إطلاق النار من الأسلحة النارية في الأماكن العامة أو المناسبات وفق الوصف والشروط الواردة فيه.

وتبقى العبرة دائمًا بالتكييف الدقيق للواقعة، وليس بمجرد استخدام وصف عام مثل «مقاومة رجل أمن» أو «إطلاق نار» دون فحص تفاصيلها.

تاسعًا: بعض الجرائم المرتبطة بالأموال العامة والشيكات

تضمن القرار حالات محددة تتعلق بـاختلاس الأموال العامة أو الأموال المشمولة بالحماية، مع مراعاة الحالات التي يكون لإعادة المال فيها أثر وفق أحكام القرار.

كما شمل القرار صورًا محددة من الجرائم المتعلقة بالشيكات. ولهذا لا يصح اعتبار كل مطالبة مالية أو نزاع متعلق بشيك جريمة كبيرة موجبة للتوقيف دون الرجوع إلى الوصف النظامي المحدد.

عاشرًا: بعض الجرائم المتعلقة بالمسكرات والقات

تضمن القرار صورًا محددة من الجرائم المتعلقة بـبيع المسكر أو تصنيعه أو تهريبه أو حيازته بقصد الترويج أو الاتجار، كما تناول صورًا محددة متعلقة بتهريب القات أو زراعته.

والأهمية هنا في عدم التوسع؛ فكل فعل له وصفه وشروطه، ولا ينبغي إدخال وقائع أخرى في نطاق القرار لمجرد قربها من حيث الموضوع.

الحوادث المرورية الجسيمة

يدخل ضمن القرار كذلك بعض الحوادث المرورية الجسيمة متى تحققت الأوصاف والنتائج التي حددها القرار.

ومن ثم لا تعد كل مخالفة أو حادث مروري جريمة كبيرة موجبة للتوقيف، وإنما يجب الرجوع إلى طبيعة الواقعة والنتيجة والظروف المصاحبة لها.

لفهم تصنيف الحادث ونسبة الخطأ والحقوق الناتجة عنه، اقرأ الحوادث المرورية في السعودية.

هل كون الجريمة كبيرة يعني استمرار التوقيف حتى المحاكمة؟

لا ينبغي الخلط بين دخول الجريمة ضمن الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف وبين مدة بقاء المتهم موقوفًا. فالتوقيف يظل خاضعًا للمدد والجهات المختصة بالتمديد والحدود النظامية التي قررها نظام الإجراءات الجزائية.

ولهذا يجب الفصل بين سؤالين مستقلين: هل الجريمة من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؟ وهل استمرار توقيف المتهم في المرحلة الحالية قائم على سند نظامي صحيح؟

تمييز جوهري
وصف الجريمة بأنها موجبة للتوقيف لا يجعل مدة التوقيف مفتوحة أو غير خاضعة للضوابط النظامية.

كيف تتحقق من أن الجريمة المنسوبة إليك موجبة للتوقيف؟

لا تعتمد على اسم التهمة وحده. المراجعة النظامية الصحيحة تبدأ بمقارنة الوقائع الفعلية للقضية بما ورد في قرار الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف.

فإذا كان القرار يشترط مبلغًا معينًا، أو نتيجة إصابة محددة، أو صفة معينة للمجني عليه، أو طريقة معينة لارتكاب الجريمة، فلا بد من تحقق هذا الشرط قبل تنزيل الوصف على الواقعة.

قاعدة عملية

العبرة ليست بمسمى الاتهام فقط، وإنما بتطابق الوقائع والشروط الفعلية للقضية مع الوصف المحدد في قرار الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف.

الخلاصة باختصار

المسألة القاعدة
من يحدد الجرائم الكبيرة؟ النائب العام وفق المادة (112) وبالآلية المقررة نظامًا.
هل كل جريمة جسيمة تدخل ضمنها؟ لا، يجب أن تنطبق عليها أوصاف وشروط القرار.
هل قيمة المال مهمة؟ نعم، في بعض الجرائم ربط القرار الوصف بحد مالي محدد.
هل الإصابة مهمة؟ نعم، في بعض جرائم الاعتداء تتحدد الصفة بحسب جسامة الإصابة ومدة الشفاء.
هل التوقيف يستمر حتى المحاكمة تلقائيًا؟ لا، يظل خاضعًا للمدد وأوامر التمديد والجهات المختصة.

الخلاصة

الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف ليست قائمة مفتوحة تخضع للاجتهاد، وإنما مرجعها المادة (112) من نظام الإجراءات الجزائية والقرار الصادر تنفيذًا لها.

ولذلك فإن دراسة أي حالة تبدأ بـتحديد الوصف الصحيح للجريمة، ثم التحقق من انطباق شروط القرار عليها، وبعد ذلك مراجعة سلامة أمر التوقيف ومدته وتمديده.

القضايا الجزائية

هل الجريمة المنسوبة إليك من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؟

يمكن مراجعة وصف الواقعة، وشروط القرار المنظم للجرائم الكبيرة، وأمر التوقيف ومدته؛ لتحديد المركز النظامي الصحيح في مرحلة التحقيق.

مراجعة مشروعية التوقيف

دراسة وصف الجريمة وأمر التوقيف ومدته وفق نظام الإجراءات الجزائية.


التواصل عبر واتساب


البريد الإلكتروني

المقال السابق


التوقيف والجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف في النظام السعودي

المقال التالي


حالات التوقيف الاحتياطي ومدته وضمانات المتهم في النظام السعودي

تنويه: أُعد هذا المقال لأغراض التثقيف وزيادة الوعي القانوني العام، ولا يُعد استشارة قانونية بشأن واقعة أو قضية بعينها، إذ يتطلب تحديد انطباق وصف الجريمة الكبيرة الموجبة للتوقيف مراجعة وقائع كل قضية ومستنداتها على حدة.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى