المكتبة القانونيةنظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

الشروع في جرائم المخدرات وعقوبته في النظام السعودي

الشروع في جرائم المخدرات: متى تقع المسؤولية وما العقوبة؟

الفكرة الأساسية:
عدم اكتمال جريمة المخدرات لا يؤدي وحده إلى انتفاء المسؤولية؛ فقد جرّم النظام الشروع في الأفعال التي حددها، ووضع له عقوبة تختلف باختلاف الجريمة التي بدأ تنفيذها ولم تتم.

قد تبدأ الواقعة بخطوات تتجه إلى تنفيذ جريمة من جرائم المخدرات، ثم تتوقف قبل اكتمال الفعل أو يُحال دون إتمامه. وهنا يثور سؤال جوهري: هل يعاقب النظام على النتيجة التي تحققت فقط، أم تمتد المسؤولية إلى البدء في تنفيذ الجريمة ولو لم تكتمل؟

أجاب نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية عن ذلك صراحة. فقد عدّت الفقرة السابعة من المادة الثالثة الشروع في ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في الفقرات من (1) إلى (6) من المادة ذاتها فعلًا جرميًا، ثم جاءت المادة التاسعة والخمسون لتحدد عقوبة الشروع وفق مسارين مختلفين.

أولًا: ما المقصود بالشروع في نطاق النظام؟

النظام قرر تجريم الشروع، لكنه لم يضع في المادة الثالثة أو التاسعة والخمسين قائمة تفصيلية بكل صورة عملية يمكن أن تعد شروعًا. ولذلك يلزم في كل قضية تحديد الفعل الذي بدأ المتهم في تنفيذه، والجريمة التي اتجه إليها هذا الفعل، والسبب الذي حال دون اكتمالها.

والفارق العملي يكون بين مجرد التفكير أو الترتيب السابق من جهة، وبين أفعال دخلت في نطاق تنفيذ الجريمة من جهة أخرى. ولا يصح افتراض الشروع من النية وحدها؛ لأن محل المحاسبة هو الفعل الذي يمكن إسناده إلى المتهم وربطه بالجريمة المقصودة وفق الأدلة القائمة في الدعوى.

تنبيه:
وصف الواقعة بأنها «شروع» يحتاج إلى تحديد الجريمة المقصودة أولًا. فلا يوجد شروع مجرد بلا جريمة أصلية اتجه السلوك إلى تنفيذها.

ثانيًا: ما الأفعال التي يمتد إليها تجريم الشروع؟

أحالت الفقرة السابعة من المادة الثالثة إلى الفقرات من (1) إلى (6) من المادة نفسها. وبذلك يمتد التجريم إلى الشروع في الفئات الآتية بحسب الوصف الوارد في النظام:

  • تهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو تلقيها من المهربين.
  • الأفعال غير المشروعة التي عددتها الفقرة الثانية، ومنها الجلب والاستيراد والتصدير والإنتاج والصنع والحيازة والإحراز والبيع والشراء والتوزيع والتسليم والنقل والوساطة والتمويل.
  • الأفعال المتعلقة بالنباتات المدرجة في الجدول رقم (4) وبذورها وفق الفقرة الثالثة.
  • صنع المعدات أو المواد أو بيعها أو نقلها أو توزيعها بقصد استخدامها في الزراعة أو الإنتاج أو الصنع غير المشروع.
  • غسل الأموال المتحصلة من الجرائم المنصوص عليها في النظام.
  • المشاركة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة في الأفعال التي شملتها الفقرات من (1) إلى (5).

وهذه الإحالة الواسعة توجب عدم الاكتفاء بعبارة عامة من قبيل «شرع في جريمة مخدرات». بل يجب تحديد الفقرة والفعل المقصود والغرض المنسوب إلى المتهم؛ لأن العقوبة تتصل بالوصف النظامي للجريمة التي لم تكتمل.

ثالثًا: عقوبة الشروع في جرائم المادة (38/1)

خصصت الفقرة الأولى من المادة التاسعة والخمسين حكمًا للشروع في أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة الثامنة والثلاثين. وهذه الفقرة تتناول أفعال الحيازة والبيع والشراء والتمويل والإحراز والتسليم والتسلم والنقل والمبادلة والمقايضة والوساطة وغيرها، متى كانت بقصد الاتجار أو الترويج بمقابل أو بغير مقابل وفي غير الأحوال المرخص بها.

وجعل النظام عقوبة الشروع في هذه الجرائم السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات، وغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال. وأضافت الفقرة الثالثة من المادة التاسعة والخمسين أنه يجوز للمحكمة أن تحكم بعقوبة الجلد التي تراها مناسبة.

ويلاحظ أن النص حدد الحد الأعلى للسجن والغرامة في هذه الصورة. أما مقدار العقوبة داخل هذين الحدين، فيتحدد في ضوء ثبوت الواقعة ووصفها وظروفها وما تقدره المحكمة وفق أحكام النظام.

رابعًا: عقوبة الشروع في الجرائم الأخرى

وضعت الفقرة الثانية من المادة التاسعة والخمسين قاعدة لبقية الجرائم، فنصت على أن الشروع في أي جريمة من الجرائم الأخرى يعاقب عليه بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى لعقوبتي السجن والغرامة المحددتين في النظام للجريمة التامة.

وبالتالي لا يمكن تحديد عقوبة هذا النوع من الشروع قبل معرفة عقوبة الجريمة التامة. فالخطوة الأولى هي تحديد النص الذي يعاقب على الجريمة الأصلية، ثم معرفة الحد الأعلى للسجن والغرامة فيه، وبعد ذلك يطبق السقف الذي قررته المادة التاسعة والخمسون للشروع.

نوع الشروع عقوبة السجن والغرامة الجلد
الشروع في جرائم المادة (38/1) السجن بما لا يزيد على عشر سنوات، والغرامة بما لا يزيد على خمسين ألف ريال. يجوز للمحكمة الحكم بما تراه مناسبًا.
الشروع في الجرائم الأخرى بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى لعقوبتي السجن والغرامة المقررتين للجريمة التامة. يجوز للمحكمة الحكم بما تراه مناسبًا.

خامسًا: هل عقوبة الشروع هي نصف العقوبة المحكوم بها في الجريمة التامة؟

ليس هذا هو التعبير الدقيق للفقرة الثانية. فالنظام لم يقل إن المحكمة تحكم تلقائيًا بنصف العقوبة التي كانت ستقضي بها لو تمت الجريمة، وإنما جعل عقوبة الشروع بما لا يزيد على نصف الحد الأعلى لعقوبتي السجن والغرامة المحددتين للجريمة التامة.

والفرق مهم؛ لأن الحساب يرتبط بالحد الأعلى المقرر في النص، لا بعقوبة افتراضية أو بحكم صدر في قضية أخرى. كما أن عبارة «بما لا يزيد» تقرر سقفًا للعقوبة، ولا تجعل الوصول إلى هذا السقف نتيجة آلية في كل واقعة.

سادسًا: ما الفرق بين الشروع والجريمة التامة؟

في الجريمة التامة تكتمل الأفعال والعناصر التي يقوم عليها الوصف النظامي. أما في الشروع، فإن المسؤولية تتعلق بسلوك اتجه إلى تنفيذ الجريمة، لكنها لم تتم. ولهذا أفرد النظام للشروع وصفًا وعقوبة تختلف عن العقوبة المقررة للجريمة المكتملة.

وتظهر أهمية هذا التمييز عند صياغة الاتهام أو الدفاع أو الحكم. فإذا كانت الأدلة لا تثبت اكتمال الجريمة، فلا يكفي الانتقال مباشرة إلى الإدانة بالجريمة التامة، كما أن عدم اكتمالها لا يؤدي تلقائيًا إلى البراءة متى كانت الأفعال الثابتة تدخل في نطاق الشروع المعاقب عليه.

سابعًا: ما الفرق بين الشروع والاشتراك؟

الشروع يصف مرحلة تنفيذ الجريمة وعدم اكتمالها، بينما الاشتراك يصف دور شخص في جريمة من خلال الاتفاق أو التحريض أو المساعدة. ولهذا يمكن من الناحية النظامية أن يتعلق الاتهام بشروع شخص في فعل أصلي، أو بمشاركة شخص آخر في الفعل، بحسب الدور الذي تثبته الأدلة.

وقد عدّت المادة الثالثة الشروع في المشاركة الواردة بالفقرة السادسة ضمن الأفعال المجرمة، إذ أحالت الفقرة السابعة إلى الفقرات من (1) إلى (6). ولذلك يلزم في هذه الصورة قدر أكبر من الدقة: ما الجريمة الأصلية؟ وما صورة المشاركة؟ وما الفعل الذي بدأ تنفيذه ولم يكتمل؟

ثامنًا: هل مجرد النية أو المحادثات تكفي لإثبات الشروع؟

النية عنصر مهم لفهم الغرض من السلوك، لكنها لا تغني عن إثبات فعل منسوب إلى المتهم يتصل بتنفيذ الجريمة المقصودة. وكذلك المحادثات أو المراسلات لا تقرأ بمعزل عن سياقها؛ فقد تكشف عن الغرض والدور، وقد تكون محتملة لمعنى آخر، بحسب مضمونها واتصالها ببقية أدلة الدعوى.

ولهذا يجب فحص الدليل في مجموعه: الأفعال المادية، والتوقيت، والاتصالات، والأدوات أو الأموال المضبوطة، وتقارير الفحص، وأقوال الأطراف، والسبب الذي منع اكتمال الجريمة. ومن هذا الترابط يتحدد ما إذا كانت الواقعة تجاوزت مرحلة الترتيب إلى شروع معاقب عليه.

تاسعًا: ما أهم نقاط فحص قضية الشروع؟

  1. تحديد الجريمة الأصلية التي قيل إن المتهم شرع في ارتكابها.
  2. بيان النص النظامي الذي يعاقب على الجريمة التامة.
  3. تحديد الأفعال التنفيذية المنسوبة إلى المتهم على وجه الدقة.
  4. فحص الدليل على القصد أو الغرض المرتبط بالجريمة.
  5. تحديد المرحلة التي توقفت عندها الواقعة وسبب عدم اكتمالها.
  6. التمييز بين الشروع والجريمة التامة والأعمال السابقة على التنفيذ.
  7. احتساب السقف العقابي وفق المسار الصحيح في المادة التاسعة والخمسين.

وتبرز أهمية هذه النقاط بوجه خاص عندما تبنى الدعوى على اتصالات أو ترتيبات لم تسفر عن ضبط المادة أو إتمام التسليم؛ إذ يجب ألا يحل الاستنتاج العام محل تحديد الفعل الذي بلغ مرحلة الشروع والجريمة التي اتجه إليها.

عاشرًا: كيف يؤثر الخطأ في وصف الجريمة على العقوبة؟

لأن المادة التاسعة والخمسين فرقت بين فئتين من الشروع، فإن الخطأ في تحديد الجريمة الأصلية قد يقود إلى تطبيق مسار عقابي غير صحيح. فقد توصف الواقعة بأنها شروع في ترويج، بينما لا تثبت الأدلة القصد الخاص المطلوب، أو توصف بأنها جريمة تامة رغم توقف التنفيذ قبل اكتمالها.

ومن ثم يجب أن يسبق حساب العقوبة ضبط الوصف النظامي. فالعقوبة ليست نقطة البداية، وإنما نتيجة لتحديد الفعل الثابت، والقصد المرتبط به، ومرحلة التنفيذ، والمادة التي تحكم الجريمة الأصلية.

ونخلص مما سبق إلى أن…

الشروع في جرائم المخدرات فعل مجرم مستقل عن اكتمال الجريمة. وقد وضع النظام له عقوبة خاصة: فإذا كان الشروع في إحدى جرائم المادة (38/1)، كان السجن بما لا يزيد على عشر سنوات والغرامة بما لا يزيد على خمسين ألف ريال. أما الشروع في الجرائم الأخرى، فعقوبته لا تتجاوز نصف الحد الأعلى لعقوبتي السجن والغرامة المقررتين للجريمة التامة، مع جواز الحكم بالجلد في جميع الأحوال.

لكن تطبيق هذه الأحكام يتطلب قبل كل شيء تحديد الجريمة الأصلية والفعل الذي بدأ تنفيذه وسبب عدم اكتماله. فلا النية وحدها تكفي، ولا عدم اكتمال النتيجة يؤدي وحده إلى انتفاء المسؤولية؛ وإنما العبرة بما تثبته الأدلة عن مرحلة التنفيذ والوصف النظامي الصحيح.

هل تواجه اتهامًا بالشروع في جريمة مخدرات؟

تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية دراسة الجريمة الأصلية ومرحلة التنفيذ، وتحليل الأدلة والقصد الجرمي، ومراجعة الوصف والعقوبة وإعداد الدفاع أو الاعتراض الملائم.

هذا المقال للتوعية القانونية العامة، ولا يعد استشارة قانونية لحالة بعينها؛ إذ يختلف التكييف النظامي باختلاف الجريمة المقصودة والأفعال الثابتة ومرحلة التنفيذ وأدلة كل قضية.
ضمن سلسلة نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية:
العودة إلى الدليل الشامل ومقالات السلسلة
المقال التالي: النزول عن الحد الأدنى ووقف تنفيذ عقوبة السجن في قضايا المخدرات.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى