الاعتراض بالنقض أمام المحكمة العليا
بعد الاستئناف، ما الخطأ الذي يصلح للنقض؟
تقرأ المحكمة العليا الحكم في نطاق أسباب حددها النظام، وتفصل على ضوء أوراق الملف دون تناول وقائع القضية. لذلك يبدأ إعداد الاعتراض بالنقض من تحديد العيب في الحكم نفسه: أين ورد؟ وكيف أثّر في النتيجة؟ وهل يدخل في أسباب النقض التي حددها النظام؟
نظمت المواد (193–199) من نظام المرافعات الشرعية هذا الطريق، وأكملت اللائحة التنفيذية لطرق الاعتراض على الأحكام ما يتعلق بأسباب المذكرة وقبولها وإجراءات نظرها. وفيما يأتي مسار عملي لقراءة النصين عند دراسة حكم الاستئناف.
أي الأحكام تُعرض على المحكمة العليا بطلب النقض؟
تجيز المادة 193 للمحكوم عليه الاعتراض بالنقض على الأحكام والقرارات التي تصدرها محاكم الاستئناف أو تؤيدها، متى انصب اعتراضه على أحد الأسباب التي حددتها المادة. وتقرر المادة (38) من اللائحة أن تأييد حكم محكمة الدرجة الأولى يُعد حكمًا صادرًا من محكمة الاستئناف فيما اعترض عليه.
لذلك يبدأ فحص الملف بالحكم الصادر أو المؤيد من محكمة الاستئناف، وبالجزء الذي يمس المحكوم عليه، ثم يُبحث: هل موضع الاعتراض خطأ يدخل في أسباب النقض المحددة؟
ما أسباب النقض الأربعة؟
حصرت المادة 193 من النظام أسباب الاعتراض بالنقض في أربعة أبواب:
- مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة التي لا تتعارض معها. وتعد مخالفة الحكم لمبدأ قضائي صادر من المحكمة العليا، أو أخذت به إحدى دوائرها في قضايا سابقة، اعتراضًا لمخالفة النظام وفق المادة (40) من اللائحة.
- صدور الحكم من محكمة غير مشكلة تشكيلًا سليمًا وفق ما نُص عليه نظامًا.
- صدور الحكم من محكمة أو دائرة غير مختصة.
- الخطأ في تكييف الواقعة أو وصفها وصفًا غير سليم.
عند الاستناد إلى التكييف، تُحدد الواقعة التي عالجها الحكم والوصف الذي أعطاه لها وأثر ذلك الوصف في قضائه. وتظل المحكمة العليا، وفق المادة (198)، معنية بفحص الحكم على أوراق الملف دون إعادة تناول وقائع القضية.
كيف تُبنى مذكرة نقض قابلة للفحص؟
تشترط المادة 195/1 بيان أسماء الخصوم وعنوان كل منهم، والحكم المعترض عليه ورقمه وتاريخه، وأسباب الاعتراض وطلبات المعترض وتوقيعه وتاريخ إيداع المذكرة. وإذا قدمها ممثل للمعترض، أرفق ما يثبت صفته، وفق المادة (10) من اللائحة.
وتضيف المادة 42/1 من اللائحة ما يحدد جودة كل سبب: موضعه من الحكم، ووجه المخالفة، وأثرها فيه، وما يبين سبق إبداء السبب في الاستئناف أو عدم إمكان إبدائه فيه. هذه عناصر تُكتب لكل سبب بوضوح، مع طلب يبين الجزء المطلوب نقضه.
مثال على الصياغة: إذا وصف الحكم العلاقة بين الخصوم بأنها بيع، ورأى المعترض أن وصفها وكالة، فعليه أن يحدد العبارة التي بنى عليها الحكم تكييفه، ويبين وجه الخطأ وأثره في النتيجة، ثم يوضح ما إذا كان قد أثار ذلك في الاستئناف أو لم يكن ممكنًا إبداؤه فيه. المثال يوضح بناء السبب؛ أما صحته فتتوقف على الحكم وأوراق القضية.
الإحالة المجردة إلى مذكرة الاستئناف أو إلى مذكرة أخرى تجعل مذكرة النقض خالية من الأسباب بنص المادة (42/2) من اللائحة. وإذا لم تستوفِ المذكرة ما أوجبته المادة (42/1)، حكمت المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبول الاعتراض وفق فقرتها الثالثة.
ما المدة، وأين تُودع المذكرة؟
مدة الاعتراض بطلب النقض ثلاثون يومًا، وتكون خمسة عشر يومًا للأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة. ويسقط الحق في طلب النقض إذا لم تُودع المذكرة خلال المدة، وفق المادة 194. وتبدأ المدة من اليوم التالي لتسلّم صورة صك الحكم، أو من اليوم التالي لليوم المحدد لتسلّمها، وفق المادة (7) من اللائحة.
تُودع المذكرة لدى إدارة محكمة الاستئناف التي أصدرت الحكم أو أيدته، وتكون الإجراءات عبر الأنظمة الإلكترونية المعتمدة من وزارة العدل وفق المادة (2) من اللائحة. وتقيد إدارة محكمة الاستئناف المذكرة يوم إيداعها، ثم ترفعها مع صورة ضبط القضية وجميع الأوراق إلى المحكمة العليا خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ انتهاء مدة الاعتراض، وفق المادة (195/2).
الثلاثة أيام الأخيرة تخص رفع الأوراق من محكمة الاستئناف إلى المحكمة العليا؛ أما مهلة المعترض لإيداع مذكرته فهي الثلاثون يومًا أو الخمسة عشر يومًا بحسب نوع الحكم.
ولطلب النقض مهلة مستقلة لسداد تكلفته بعد قيد الطلب؛ تجد المبلغ وما يتعلق بالسداد في مقال تكاليف الاستئناف والنقض والتماس إعادة النظر.
هل يمكن إضافة سبب للنقض لاحقًا؟
هنا قيدان متتابعان. قبل إيداع مذكرة النقض، تمنع المادة (41) من اللائحة إبداء سبب لم يسبق طرحه في الاستئناف وكان ممكنًا طرحه فيه؛ ولذلك تلزم المادة (42) ببيان سبق إبداء السبب أو عدم إمكان إبدائه. وبعد إيداعها، تمنع المادة 199 من النظام التمسك أمام المحكمة العليا بسبب لم يرد في مذكرة النقض، إلا إذا تعلق بالنظام العام؛ فتأخذ به المحكمة من تلقاء نفسها.
هذه القاعدة تجعل مراجعة أسباب الاستئناف والحكم الناتج عنه خطوة أساسية قبل كتابة مذكرة النقض: ما السبب الذي أُثير؟ وكيف عالجه الحكم؟ وما موضع المخالفة الذي سيُعرض الآن على المحكمة العليا؟
هل يوقف الاعتراض بالنقض تنفيذ الحكم؟
تقرر المادة 196 أن الاعتراض لدى المحكمة العليا لا يوقف تنفيذ الحكم بذاته، ما لم ينص النظام على خلاف ذلك. وللمحكمة أن تأمر بوقف التنفيذ مؤقتًا إذا طُلب ذلك في مذكرة الاعتراض وخُشي من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه. ولها أن تشترط ضمانًا أو كفيلًا غارمًا مليئًا، أو ما تراه كفيلًا بحفظ حق المعترض عليه.
وتشترط المادة 11 من اللائحة تقديم طلب الوقف خلال مدة الاعتراض، مع بيان أسبابه وآثار التنفيذ، ولا تقبل تقديمه بعد انتهاء المدة. ويُفصل في الطلب خلال خمسة أيام من انتهاء مدة الاعتراض. لذا، إذا كانت له حاجة في القضية، فينبغي أن تتناول مذكرة النقض طلب الوقف وأسبابه من وقت إعدادها.
ماذا تفحص المحكمة العليا، وكيف ينتهي الاعتراض؟
تفحص المحكمة العليا أولًا البيانات الشكلية المنصوص عليها في المادة (195/1) وصفة من قدم الاعتراض، ثم تقرر قبوله أو عدم قبوله شكلًا، وفق المادة 197. وتبين اللائحة أن فوات الموعد، أو بناء الاعتراض على سبب خارج أسباب النقض المحددة، أو عدم استيفاء متطلبات المذكرة، قد ينتهي إلى عدم قبوله (المادة 44). وللمعترض ضده تقديم رده خلال عشرة أيام من تبلغه بمذكرة الاعتراض، وفق المادة (43) من اللائحة.
إذا قُبل الاعتراض شكلًا، فصلت المحكمة العليا في موضوعه على أساس أوراق الملف دون تناول وقائع القضية. فإن لم تقتنع بالأسباب أيدت الحكم؛ وإن اقتنعت بها نقضته كله أو بعضه، مع ذكر مستند النقض، وفق المادة 198. وتوجب المادة (45) من اللائحة بيان أسباب رفض الاعتراض أو نقض الحكم.
إذا نُقض الحكم، أين يُنظر من جديد؟
الأصل وفق المادة 198 أن تُعاد القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد من غير من نظرها، مع مراعاة ما ورد في المادة (39) من اللائحة بشأن طلب الخصوم، واستثناء الإحالة إلى الدائرة التي أصدرت حكم الاستئناف في حالات المادة (45/2). وتلتزم محكمة الاستئناف عند الإعادة بما انتهى إليه حكم المحكمة العليا.
وللإعادة أحكام تتصل بنوع الحكم المنقوض: فإذا كان حكم الاستئناف صادرًا في إحدى الحالات الواردة بالمادة (34/1) من اللائحة، أو كان بسقوط الحق في الاستئناف أو بعدم قبوله، تُحال القضية إلى الدائرة التي أصدرته وفق المادة 45/2. وإذا كان النقض لمخالفة قواعد الاختصاص النوعي أو المكاني، عيّنت المحكمة العليا المحكمة المختصة، وفق المادة (46).
وإذا كان النقض للمرة الثانية وكان الموضوع بحالته صالحًا للحكم، وجب على المحكمة العليا أن تحكم في الموضوع، ويكون حكمها نهائيًا، وفق المادة (198).
قوة مذكرة النقض في تحديد موضع المخالفة وأثرها، وربطها بسبب يدخل في المادة (193)، وبيان طريق هذا السبب منذ الاستئناف. بهذه القراءة تُعرض على المحكمة العليا مسألة الحكم التي تملك فحصها.
المرجع النظامي: المواد (193–199) من نظام المرافعات الشرعية، والمواد (2، 7، 10، 11، 38–47) من اللائحة التنفيذية لطرق الاعتراض على الأحكام.




