المكتبة القانونيةنظام المعاملات المدنية

الغلط الجوهري في العقد

«لو عرفت الحقيقة، لما وقّعت»… هل تكفي هذه العبارة؟

قد يبرم شخص عقدًا اعتمادًا على صفة في محلّه، ثم يكتشف أن تصوره كان خاطئًا. لكن الندم بعد التوقيع ليس هو الغلط الذي يجيز طلب الإبطال. تضع المواد (57–60) من نظام المعاملات المدنية أسئلة أدق: هل كان الغلط جوهريًا في الرضا؟ وما صلته بالطرف الآخر؟ وهل هو غلط في أساس الصفقة أم مجرد سهو في حساب أو كتابة؟

هذه الأسئلة تحفظ للعقد استقراره، وتفتح باب مراجعة الرضا حين يكون قد قام على تصور خاطئ مؤثر وفق شروط النظام. وفيما يأتي شرح عملي لما تعنيه المواد الأربع عند قراءة عقد يدعي أحد طرفيه أنه أبرمه عن غلط.

متى يكون الغلط جوهريًا في العقد؟

تجيز المادة (57) للمتعاقد طلب إبطال العقد إذا وقع في غلط جوهري لولاه لم يرض بالعقد. فالمسألة ليست مجرد فرق بين المتوقع والواقع؛ وإنما أثر هذا الفرق في قراره بالتعاقد أصلًا. كما أن النص يتحدث عن طلب الإبطال، فلا يُعد العقد باطلًا تلقائيًا بمجرد قول أحد الطرفين إنه أخطأ.

ذكرت المادة بوجه خاص الغلط في صفة المحل، أو في شخص المتعاقد معه أو صفته، أو في الحكم النظامي. وعبارة «بخاصة» تبين أهمية هذه الصور من غير أن تجعل كل تصور خاطئ بشأنها جوهريًا بالضرورة؛ إذ يبقى السؤال الحاسم: هل كان المتعاقد سيرضى بالعقد لو عرف الحقيقة؟

فقد تكون صفة الشخص الذي تعاقد معه أحد الأطراف هي ما حمله على القبول، وقد يقوم رضاه على فهم معين لحكم نظامي يتعلق بالمعاملة. وفي الحالتين لا تُغني تسمية موضوع الغلط عن بيان أثره الحقيقي في الرضا، ثم فحص صلته بالطرف الآخر وفق المادة (58).

مبدأ قضائي مساند من «المبادئ والقرارات»

ورد في المبدأ رقم (56) أن «الرضا إذا بُني على خطأ أو خديعة فلا يكون ملزمًا»، مع الإحالة إلى القرار (م ق د: 6/328) بتاريخ 5/6/1420هـ. يوضح المبدأ أهمية سلامة الرضا، لكن شروط طلب الإبطال بسبب الغلط تُقرأ اليوم وفق المواد (57–60)؛ فلا يُستنتج من عبارته بطلان العقد تلقائيًا، ولا إغفال صلة الغلط بالطرف الآخر التي اشترطتها المادة (58).

مثال للتوضيح: تعاقد شخص على جهاز لخاصية محددة قام عليها قراره بالشراء، ثم اتضح أن الجهاز يفتقر إليها. يُبحث هنا مدى أهمية تلك الخاصية في رضاه، إلى جانب بقية الشروط التي يضعها النظام للغلط. ولا تُحسم النتيجة بمجرد وصف المشتري للخاصية بأنها «مهمة» بعد ظهور الخلاف.

وإذا تم الشراء عبر متجر إلكتروني، فراجع حقوق المشتري في التجارة الإلكترونية لفهم أثر الإعلان والفاتورة والفسخ بشروطه؛ فهذه مسائل تُفحص إلى جانب شروط الغلط، ولكل منها أساسه.

ما علاقة المتعاقد الآخر بالغلط؟

حتى مع جوهرية الغلط، تضيف المادة (58) قيدًا مهمًا: لا يُعتد بغلط المتعاقد إلا إذا تحقق أحد ثلاثة أمور في الطرف الآخر:

  1. أن يكون قد وقع معه في الغلط نفسه؛
  2. أو كان يعلم بوقوعه في الغلط؛
  3. أو كان من السهل عليه أن يتبينه.

هذه صور بديلة، فلا يُشترط اجتماعها، ولا تشترط المادة أن يكون الطرف الآخر قد تعمد التضليل. فقد يشترك الطرفان في التصور الخاطئ، أو يكون الغلط واضحًا له من سياق التعامل، أو يعلم به فعلًا. وفي المقابل، لا يكفي غلط جوهري بقي خفيًا عن الطرف الآخر ولم يكن من السهل عليه تبينه.

في مثال الجهاز، قد تبين المراسلات السابقة للتعاقد أن المشتري حدد الخاصية التي يريدها، وأن الطرف الآخر علم بأهميتها أو كان يستطيع تبين الخطأ بسهولة. وتفيد هذه الوقائع في فحص المادة (58)، دون أن يغني ذلك عن بحث جوهرية الغلط وفق المادة (57).

هل الخطأ في الحساب أو الكتابة يبرر الإبطال؟

تجيب المادة (59) بأن مجرد الغلط المادي في الحساب أو الكتابة لا يؤثر في العقد. فالسهو في جمع أرقام واضحة أو كتابة رقم على خلاف العملية الحسابية الظاهرة يختلف في طبيعته عن تصور خاطئ جوهري قام عليه الرضا.

لو ظهرت في ورقة عملية حسابية «10 × 100» ثم سُجل ناتجها «900» بدلًا من «1000»، فهذا مثال لغلط مادي في الحساب. ولا تقرر المادة (59) وحدها إجراءً بعينه لتصحيحه؛ الذي تقرره هنا هو أن مجرد هذا الغلط لا يؤثر في العقد. أما إذا تجاوز الخلاف السهو الظاهر إلى ما قصده الطرفان فعلًا، فتُقرأ الواقعة على حقيقتها.

متى يمنع حسن النية التمسك بالغلط؟

تضع المادة (60) حدًا لطريقة التمسك بالغلط: ليس لمن وقع فيه أن يستند إليه على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية. وتقرر أنه يكون ملزمًا بالعقد الذي قصد إبرامه إذا أظهر المتعاقد الآخر استعداده لتنفيذ ذلك العقد.

لنفترض أن المتعاقد قصد الحصول على جهاز بالخاصية التي بُني عليها رضاه، ثم أبدى الطرف الآخر استعداده لتنفيذ العقد الذي قصده المتعاقد الغالط. هنا لا يصح تصوير المادة على أنها تلزمه بأي بديل يعرضه الطرف الآخر، أو بالعقد على الصورة التي وقع بشأنها الغلط؛ المعيار الذي اختاره النص هو الاستعداد لتنفيذ العقد المقصود نفسه، مع مراعاة حسن النية.

قراءة الملف في أربع خطوات: حدّد التصور الخاطئ وأثره في الرضا، ثم صلته بالطرف الآخر وفق المادة (58)، وافصل الغلط الجوهري عن مجرد الخطأ المادي، ثم انظر هل عُرض تنفيذ العقد الذي قصده من وقع في الغلط وفق المادة (60).

كيف تُبنى المطالبة أو يُجاب عنها؟

عند طلب الإبطال، يفيد بيان ما اعتقده المتعاقد وقت إبرام العقد، والحقيقة التي ظهرت له، ولماذا ما كان سيرضى بالعقد لولا ذلك التصور. ثم تُقرأ الرسائل والمسودات والمفاوضات لمعرفة ما إذا كان الطرف الآخر قد شاركه الغلط أو علم به أو كان يسهل عليه تبينه. ومن جهة الدفاع، يُبحث أيضًا هل الخلاف مجرد غلط مادي لا يؤثر في العقد، أو هل أُبدي الاستعداد لتنفيذ العقد الذي قصده الطرف الآخر.

هذه طريقة عملية لتنظيم الوقائع في ضوء المواد (57–60)، وليست قائمة بإجراءات أو مواعيد أضافها النص. فالعبرة بما تكشفه أوراق كل تعاقد عن الرضا الحقيقي وصلته بالطرف الآخر، وبكيفية استعمال حق التمسك بالغلط بحسن نية.

الغلط الذي يُبحث أثره في العقد ليس كل خطأ يُكتشف بعد التوقيع؛ بل تصور جوهري لو علم المتعاقد بحقيقته لما رضي بالعقد، وتتصل به إحدى حالات المادة (58). ثم يبقى للخطأ المادي وحسن النية أثرهما الذي بيّنه النظام.

المرجع النظامي: المواد (57–60) من نظام المعاملات المدنية. المرجع القضائي المساند: «المبادئ والقرارات»، المبدأ (56)، ص (45)، القرار (م ق د: 6/328)، 5/6/1420هـ.

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز. أكتب قراءات قانونية في الأنظمة السعودية وتطبيقاتها العملية، مع التركيز على العقود والشركات والعمل والتقاضي.
زر الذهاب إلى الأعلى