جريمة تلقي المواد المخدرة من المهرب
تلقي المواد المخدرة من المهرب: متى تقوم الجريمة؟
قد تضبط مادة مخدرة بعد دخولها إلى المملكة، ثم يتبين أن الشخص الذي وجدت في حيازته لم يكن هو من عبر بها الحدود. وهنا يثور سؤال دقيق: هل تنتهي المسؤولية عند المهرب، أم يمكن أن تمتد إلى من تسلم المادة منه؟
عالج نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية هذه الصورة صراحة، فعدّ تلقي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية من المهربين فعلًا جرميًا، وأورد له حكمًا ضمن المادة السابعة والثلاثين.
غير أن شدة العقوبة المقررة تستلزم قراءة الواقعة بدقة؛ فلا يكفي ضبط المادة في مرحلة لاحقة، وإنما يجب إثبات فعل التلقي ذاته، ومصدر المادة، وصلة المتهم بالمهرب، والظروف التي وقع فيها التسلم.
أولًا: أين ورد تجريم تلقي المواد من المهربين؟
نصت الفقرة الأولى من المادة الثالثة على أن تهريب المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية أو تلقيها من المهربين يعد من الأفعال الجرمية.
ثم نصت الفقرة الثانية من البند أولًا من المادة السابعة والثلاثين على تلقي مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية من مهرب ضمن الحالات التي حددت لها المادة العقوبة.
ويكشف هذا التنظيم أن النظام لم يشترط أن يكون الشخص هو من أدخل المادة بنفسه حتى يدخل في نطاق المادة؛ فقد تقوم المسؤولية على فعل تالٍ للتهريب يتمثل في تلقي المادة من المهرب.
المهرب يباشر فعل التهريب، أما المتلقي فيتسلم المادة منه بعد أو أثناء تنفيذ العملية. وقد جعل النظام لكل من الصورتين حكمًا صريحًا.
ثانيًا: ما المقصود بالتلقي؟
لم تضع المادة الأولى تعريفًا مستقلًا لمصطلح التلقي، ولذلك يفهم في حدود الفعل الذي عالجه النص، وهو تسلم المادة المخدرة أو المؤثر العقلي من الشخص الذي قام بتهريبها.
ولا يتوقف النظر على انتقال المادة إلى يد المتهم بصورة مباشرة؛ فقد يتم التسلم عن طريق وضع المادة في مكان متفق عليه، أو داخل مركبة أو مستودع أو طرد، متى أثبتت الأدلة أن المتهم هو المقصود بالتسليم وأنه تسلم السيطرة عليها.
وفي المقابل، لا يكفي العثور على المادة في مكان مشترك أو قريب من المتهم للقول بثبوت التلقي، بل يجب إثبات صلته بها وبعملية التسلم من المهرب.
ثالثًا: ما المسائل التي يجب إثباتها؟
يتطلب تقييم واقعة تلقي المادة من المهرب التحقق من مجموعة مسائل مترابطة:
- أن تكون المادة المضبوطة من المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية المدرجة في الجداول.
- أن تكون المادة قد وردت عن طريق شخص قام بتهريبها.
- أن يثبت فعل تلقي المتهم للمادة أو تسلمه السيطرة عليها.
- أن تثبت صلة المتهم بالمهرب وبعملية التسليم.
- أن تبحث الأدلة والقرائن المتعلقة بعلم المتهم بحقيقة المادة ومصدرها.
- أن يحدد دور كل متهم على حدة عند تعدد المشاركين.
ولا يغني إثبات أحد هذه الجوانب عن بقية الجوانب؛ فثبوت أن المادة مهربة لا يعني تلقائيًا أن كل من حازها بعد ذلك تلقاها من المهرب مباشرة، كما أن التواصل مع المهرب لا يثبت وحده إتمام التلقي ما لم يتصل بمضمون الواقعة.
رابعًا: ما أهمية إثبات مصدر المادة؟
يرتبط وصف المادة السابعة والثلاثين بمصدر محدد للتلقي، وهو المهرب. ولذلك يجب التحقق من الأدلة التي تثبت أن الشخص الذي وردت منه المادة هو من قام بتهريبها، أو أنه مرتبط بعملية التهريب على النحو الثابت في القضية.
فإذا ثبت مجرد تسلم مادة مخدرة من شخص آخر، دون إثبات صلته بالتهريب، فقد تحتاج الواقعة إلى بحث وصف آخر بحسب القصد والظروف، كالتسلم بقصد الترويج أو الحيازة بقصد التعاطي أو الحيازة المجردة.
ومن هنا تظهر أهمية عدم مساواة كل تسلم لمادة مخدرة بتلقيها من مهرب؛ لأن النص الأخير يقتضي إثبات الصلة بواقعة التهريب.
| الصورة | العنصر المميز | المادة |
|---|---|---|
| تلقي المادة من مهرب | ثبوت أن مصدر التلقي هو المهرب. | 37/أولًا/2 |
| تلقي المادة بقصد الترويج | ثبوت قصد الترويج في الحالات التي حددها النص. | 37/أولًا/3 |
| تسلم المادة بقصد الترويج أو الاتجار | ثبوت قصد الاتجار أو الترويج بمقابل أو بغير مقابل. | 38 |
| تسلم المادة دون تلك المقاصد | انتفاء قصد الاتجار والترويج والتعاطي والاستعمال الشخصي. | 39 |
خامسًا: ما الفرق بين التلقي والحيازة؟
التلقي يصف واقعة انتقال المادة إلى الشخص من مصدر معين، بينما تتعلق الحيازة بوضع اليد على المادة على سبيل التملك أو الاختصاص وفق تعريف المادة الأولى.
وقد يترتب على التلقي قيام الحيازة بعد ذلك، لكن ثبوت الحيازة لا يثبت بالضرورة الطريقة التي وصلت بها المادة إلى الحائز.
ولذلك ينبغي عدم الاستدلال من الحيازة اللاحقة وحدها على تلقي المادة من المهرب، ما لم توجد أدلة تثبت مصدر المادة وعملية التسليم.
التلقي يجيب عن سؤال: ممن وكيف وصلت المادة؟ أما الحيازة فتجيب عن سؤال: من كانت له السيطرة أو الاختصاص بها؟
سادسًا: هل يشترط ضبط المادة في يد المتلقي؟
العبرة ليست بصورة الإمساك المادي وحدها، وإنما بثبوت فعل التلقي والسيطرة على المادة وفق وقائع القضية.
فقد يتم ضبط المادة في موقع اتفق على وضعها فيه، أو في مركبة أو مستودع، لكن نسبة التلقي إلى شخص معين تستلزم إثبات أنه المقصود بالتسليم وأن له صلة فعلية بالمادة.
أما مجرد وجود الشخص في الموقع أو اتصاله بأحد أطراف الواقعة فلا يكفي منفردًا، بل يقرأ مع بقية الأدلة والقرائن للوصول إلى حقيقة دوره.
سابعًا: كيف تثبت طبيعة المادة المضبوطة؟
عرّفت المادة الأولى الخبرة الفنية والدليل المادي بإجراء التحليل المخبري في المختبر المعتمد للكشف عن كنه المادة المضبوطة، وإثبات إيجابيتها للمادة المخدرة أو المؤثر العقلي من عدمها.
كما قررت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية اعتماد نتيجة التحليل من خبيرين مختصين.
ويثبت التقرير المخبري حقيقة المادة، لكنه لا يثبت بمفرده أن المتهم تلقاها من مهرب؛ فمصدر المادة وطريقة انتقالها وصلة المتهم بها تحتاج إلى أدلة أخرى.
ثامنًا: ما الأدلة التي ينبغي مناقشتها؟
يختلف ملف الإثبات من قضية إلى أخرى، لكن دراسة الاتهام تقتضي عادةً فحص ما قدم لإثبات:
- واقعة التهريب الأصلية وكيفية ثبوتها.
- هوية المهرب وصلته بالمادة المضبوطة.
- الاتفاق أو الترتيب المتعلق بتسليم المادة.
- المراسلات أو الاتصالات ذات الصلة ومضمونها.
- مكان التسليم وزمانه وكيفية ضبط المادة.
- تصرف المتهم قبل التلقي وأثناءه وبعده.
- أقوال أطراف الواقعة ومدى اتساقها مع الأدلة المادية.
ولا ينبغي قراءة دليل واحد بمعزل عن بقية الملف؛ فقد يثبت الاتصال بين شخصين، لكنه لا يكشف وحده عن مضمون التواصل أو طبيعته، وقد يثبت وجود المتهم في مكان ما دون أن يثبت سبب وجوده أو صلته بالمضبوطات.
تاسعًا: ما عقوبة تلقي المواد من المهرب؟
نص البند أولًا من المادة السابعة والثلاثين على عقوبة القتل تعزيرًا لمن يثبت شرعًا بحقه تلقي مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية من مهرب.
وأجاز البند ثانيًا من المادة ذاتها للمحكمة، لأسباب تقدرها، النزول عن عقوبة القتل إلى السجن مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة، والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف ريال، إضافة إلى العقوبة الأخرى المبينة في النص.
كما قرر البند ثالثًا عقوبة مشددة في الحالات التي حددها، إذا لم يحكم على الجاني بعقوبة القتل، ومنها بعض حالات العود والصفة الوظيفية والعصابة المنظمة واستخدام السلاح أثناء تنفيذ الجريمة.
شدة العقوبة تجعل إثبات مصدر التلقي وصلة المتهم بالمهرب مسألة جوهرية، ولا يجوز افتراضهما من مجرد الحيازة اللاحقة.
عاشرًا: ماذا لو لم يكتمل التسلم؟
جرّمت الفقرة السابعة من المادة الثالثة الشروع في ارتكاب الأفعال المنصوص عليها فيها، وتولت المادة التاسعة والخمسون تحديد أحكام العقوبة.
ولذلك يجب التحقق مما إذا كان فعل التلقي قد اكتمل بانتقال السيطرة على المادة، أم أن التنفيذ توقف قبل إتمامه وبقيت الواقعة في حدود الشروع.
ولا يكفي وجود نية غير مصحوبة ببدء التنفيذ لاعتبار الجريمة تامة؛ فالعبرة بما ثبت من أفعال تنفيذية ومدى اتصالها بالتلقي محل الاتهام.
حادي عشر: هل تمتد المسؤولية إلى من يساعد المتلقي؟
نصت المادة الثامنة والخمسون على معاقبة من يشارك في ارتكاب الأفعال المحددة بالعقوبة المقررة للجريمة نفسها، سواء كانت المشاركة بالاتفاق أم بالتحريض أم بالمساعدة.
وقد تشمل الدراسة من رتب مكان التسليم أو نقل المادة أو وفر وسيلة لإخفائها، لكن المسؤولية لا تستخلص من مجرد الصلة بالمتهم؛ بل يجب إثبات صورة المشاركة والفعل الذي قام به الشخص واتصاله بالجريمة.
كيف تدرس القضية بصورة صحيحة؟
- تحديد طبيعة المادة المضبوطة وفق التحليل المعتمد.
- إثبات واقعة التهريب الأصلية.
- تحديد الشخص الذي وردت منه المادة وصفته في الواقعة.
- إثبات عملية التسليم أو انتقال السيطرة على المادة.
- فحص صلة المتهم بالمهرب ومضمون التواصل بينهما.
- مناقشة الأدلة المتعلقة بعلم المتهم بالمادة ومصدرها.
- التمييز بين الجريمة التامة والشروع والمشاركة.
- التحقق من الوصف والعقوبة والآثار التكميلية المنطبقة.
ونخلص مما سبق إلى أن…
تلقي المواد المخدرة من المهرب صورة جرمية مستقلة عن مباشرة التهريب، وقد أدخلها النظام ضمن الحالات التي تناولتها المادة السابعة والثلاثون.
لكن قيام هذا الوصف يتطلب إثبات أن المادة خاضعة للنظام، وأنها وردت من مهرب، وأن المتهم تلقاها أو تسلم السيطرة عليها، مع بحث علمه بحقيقة المادة ومصدرها وفق أدلة القضية.
فإذا لم تثبت صلة مصدر المادة بالتهريب، أو لم تثبت واقعة تلقي المتهم لها، فلا يصح افتراض هذا الوصف من مجرد الحيازة، وإنما يجب بحث الوصف الآخر الذي تتفق معه الوقائع الثابتة.
نظام مكافحة المخدرات في السعودية
جريمة تهريب المخدرات في السعودية
جريمة ترويج المخدرات للمرة الأولى والثانية
دراسة قانونية متخصصة لقضايا المخدرات
تتولى شركة المعصم للمحاماة والاستشارات القانونية
دراسة مصدر المضبوطات ومحاضر التسليم والضبط والتقارير المخبرية، وتحديد الوصف النظامي وإعداد الدفاع والاعتراضات القضائية.




